الدميسي يكتب: بعد الكرك وعمّان .. حان وقت مراجعة القوانين وتغليظ العقوبات
بقلم: عماد الدميسي
في الكرك، استُهدف مواطنون أردنيون أثناء مراسم تشييع داخل كنيسة في بلدة حمود. واليوم، نفقد العريف جواد علي خلف السلايطة في اعتداء إرهابي أثناء قيامه بواجبه في العاصمة. وراء كل شهيد عائلة ستعيش وجع الغياب، وبيت سيتغيّر إلى الأبد، وأبناء وطن يريدون أن يروا خطوات تحمي حياتهم وتمنع تكرار الفاجعة.
الحزن كبير، والغضب مفهوم، لكن المسؤولية تفرض تحويل هذا الغضب إلى عمل. المطلوب اليوم أن تضع الحكومة ومجلس الأمة مراجعة التشريعات المرتبطة بالإرهاب والاعتداء على الأرواح في مقدمة الأولويات، وأن تكون حماية الناس هي المعيار الذي تُقاس به كفاية النصوص وفاعلية تطبيقها.
ولكي تكون المطالبة دقيقة، يجب القول إن قانون منع الإرهاب ينص أصلًا على عقوبة الإعدام إذا أفضى العمل الإرهابي إلى موت إنسان.
لذلك، فإن الحديث عن تغليظ العقوبات ينبغي أن يتجاوز رفع سقف موجود بالفعل، إلى مراجعة المنظومة كاملة: العقوبات المقررة للأفعال التي تسبق الجريمة، وأحكام التكرار، وضوابط التخفيف، وتنفيذ الأحكام، والمتابعة القانونية بعد انتهاء المحكومية.
نحتاج إلى مراجعة الحدود الدنيا للعقوبات في جرائم التجنيد والتحريض على العنف والتمويل والتسهيل، وتشديدها حيث تكشف الدراسة القانونية قصورًا في تناسب العقوبة مع خطورة الفعل. فالمحاسبة يجب أن تصل إلى كل من تثبت مساهمته في صناعة الجريمة، بحسب دوره والأدلة القائمة بحقه. اليد التي تنفّذ الاعتداء جزء من المشهد، وقد تسبقها أيدٍ وفّرت المال أو السلاح أو دفعت إلى القتل.
ومن الضروري كذلك تدقيق أحكام التخفيف واحتساب مدد العقوبات وتنفيذها، وبيان ما إذا كانت هناك ثغرات تستدعي التعديل ، هذه مراجعة ينبغي أن تقوم على ملفات وأحكام وبيانات واضحة، وأن تنتهي بتوصيات معلنة ومسؤوليات محددة، بعيدًا عن التخمين أو تحميل أي إجراء قانوني مسؤولية جريمة قبل اكتمال التحقيق.
كما تستحق حالات العودة إلى العنف معالجة تشريعية ومؤسسية أكثر حزمًا ، المطلوب تقييم مهني لخطر التكرار، وبرامج تأهيل تُقاس نتائجها، وتدابير متابعة محددة المدة تخضع للقانون والرقابة القضائية. ينبغي أن نعرف مدى فاعلية ما نطبّقه، وأن نعدّله عندما تظهر الأدلة حاجتنا إلى ذلك.
وللقضاء دوره الذي يجب تمكينه بالكوادر والخبرات والأدوات اللازمة لسرعة الفصل في هذه القضايا، مع ضمان عدالة المحاكمة وحقوق الدفاع. نريد أحكامًا راسخة تستند إلى أدلة، وتُنفّذ وفق الأصول، وتمنح عائلات الضحايا حقها في العدالة. قوة الدولة تظهر في قدرتها على محاسبة الجناة بقانون واضح وإجراءات محكمة.
وفي هذه المراجعة، يجب أن تبقى المسؤولية فردية ، لا تُحمَّل عائلة أو عشيرة أو منطقة وزر جريمة ارتكبها شخص، ولا تُفتح أبواب العقاب على أساس الهوية أو القرابة. المواطنون الذين استُهدفوا في الكرك أردنيون، ورجل الأمن الذي استُهدف اليوم أردني، وحماية حياتهم حق متساوٍ وواجب لا يقبل المساومة.
على الحكومة أن تبدأ مراجعة محددة المدة، وعلى مجلس الأمة أن يناقش نتائجها ويقرّ ما يلزم من تعديلات، وعلى الجهات المختصة أن تشرح للناس ما تغيّر وكيف سيعزّز الحماية والمحاسبة.
دماء الأردنيين تستحق تشريعًا حازمًا، وتنفيذًا جادًا، ومتابعة لا تنتهي بانتهاء موجة الغضب. والوفاء للشهداء مسؤولية تُترجم إلى قرارات تحمي من بقي، وتحفظ لهذا الوطن أمنه وحق أبنائه في الحياة.
الرجاء الانتظار ...