من الكرك إلى عمّان .. "غلّظوا العقوبات على العابثين" فطمأنينة الأردنيين "بالبنط العريض" خط أحمر
التاج الإخباري -
بقلم: لينا الناصرليس أقسى على وطنٍ من أن تمتد يد الغدر إلى أبنائه في أكثر لحظاتهم أمناً، وليس أشد إيلاماً من أن يتحوّل الفرح إلى وجع، والعزاء إلى عزاءين، وأن يصبح الطريق الذي يسلكه رجل الأمن لأداء واجبه مسرحاً لاستهداف غادر.
من الكرك إلى عمّان، تتوالى مشاهد موجعة تختصر حجم الألم الذي يعيشه الأردنيون؛ بيتٌ فُتح لاستقبال المعزّين، ورجل أمن يقف في الشارع، يؤدي واجبه ويحرس ناسه، فتمتد إليه يد الغدر. مشاهد مختلفة، لكن وجعها واحد؛ فحين يصل الاعتداء إلى بيوت الناس ومناسباتهم، وحين يُستهدف من نذر نفسه لحماية الآخرين، لا يعود الأمر مجرد جريمة عابرة، بل جرحاً يصيب المجتمع كله.
واليوم، يضاف إلى هذا الوجع اعتداء جديد في عمّان استهدف رجل أمن، ليعيد إلى الواجهة خطورة امتداد الاعتداءات إلى تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين، ويطرح تساؤلات جدية حول ضرورة تعزيز الإجراءات الوقائية والجاهزية الأمنية، وسد الثغرات التي قد تسمح بوقوع مثل هذه الاعتداءات، بما يضمن حماية المواطنين ورجال الأمن في بيوتهم ومناسباتهم وشوارعهم، قبل وقوع الفاجعة لا بعد حدوثها.
فرجل الأمن الذي نراه في الشارع ليس مجرد صاحب وظيفة، بل إنسان له عائلة تنتظره، وأبناء يتطلعون إلى عودته، وبيت لا يريد أن يستقبل خبر غيابه. وخلف كل إنسان قد تطاله يد الغدر عائلة وأحلام وحياة كاملة. لذلك، فإن حماية رجال الأمن ليست مسؤولية مؤسسة وحدها، بل واجب وطني ومجتمعي، فسلامتهم جزء لا يتجزأ من سلامة المجتمع وأمنه.
وأمام هذه الدماء، يبرز مطلب شعبي واضح بضرورة التعامل مع هذه الجرائم بما يتناسب مع خطورتها، ومراجعة العقوبات والتشريعات بما يحقق الردع، وفق ما يقرره المختصون والجهات التشريعية والقضائية. ولسنا رجال قانون، ولا ندّعي امتلاك الخبرة القانونية التي تخوّلنا تحديد العقوبات أو رسم التشريعات، لكننا مواطنون نرى ما يحدث، ونشعر بوجع العائلات، ونخشى على أمن مجتمعنا وأبنائنا.
كما أن المطالبة بتنفيذ أحكام الإعدام بحق من صدرت بحقهم أحكام قطعية مستوفية لشروطها القانونية تعبّر عن مطلب حاضر في الشارع الأردني، انطلاقاً من الإيمان بأن القانون يجب أن يأخذ مجراه، وأن تكون هناك رسالة واضحة لكل من يفكر بالاعتداء على حياة الناس وأمنهم بأن مثل هذه الجرائم لن تمر دون عواقب. فنحن لا نبحث عن الانتقام، بل عن حماية المجتمع ومنع تكرار هذه المآسي.
لكن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالعقوبة وحدها؛ فهناك خطر آخر يتسلل إلى العقول، ويبدأ بكلمة تحريض، وينتهي برصاصة تقتل إنساناً. إنه الفكر التكفيري الذي يستبيح الدم، ويشوّه الدين، ويزرع الكراهية في نفوس الشباب حتى يصبح القتل في نظر أصحابه فعلاً مبرراً.
وهنا تبرز مسؤولية الجميع في مواجهة هذا الفكر، من المدرسة والجامعة إلى المسجد والبيت ووسائل الإعلام، عبر حملة وطنية جادة وشاملة يشارك فيها مختلف أطياف المجتمع ومؤسساته، ويتقدم فيها أهل العلم والفكر، ويُسمع فيها صوت الدين الصحيح بوضوح، وتُكشف فيها خطابات التحريض والتكفير قبل أن تجد طريقها إلى عقول الشباب. فنحن بحاجة إلى حماية أبنائنا من فكر يسرق إنسانيتهم قبل أن يدفعهم إلى سفك الدماء.
لسنا بحاجة إلى انتظار فاجعة جديدة حتى نتحدث عن التطرف، ولا إلى فقدان إنسان آخر حتى ندرك أن حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الشوارع. فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالوعي أيضاً، وبترسيخ قيم الرحمة والانتماء واحترام الحياة، وبقطع الطريق على كل خطاب يحاول أن يجعل من الاختلاف عداءً ومن الإنسان هدفاً.
وهذا الأردن، أرض الزيتون والغصن، أرض الكرامة والوفاء والعهد، لم يكن يوماً وطناً تهزمه المحن أو تنال منه رصاصات الغدر. بقي شامخاً كجباله، متماسكاً بأهله، عزيزاً بتاريخه وأبنائه. أردنٌ تغنّينا به: "أردن أرض العزم، أغنية الظبا" ولم يكن العزم فيه كلمات تُقال، بل مواقف يثبتها أبناؤه كلما اشتدت المحن، وكلما حاولت يد العبث أن تنال من أمنه واستقراره. وسيبقى أبناؤه خير سند له في مواجهة كل من يحاول العبث بأمنه أو النيل من استقراره.
إن أكثر ما يؤلم في هذه الأحداث أن الأردني بات يخشى على لحظاته البسيطة؛ على فرحة ينتظرها، وعزاء يقصده، وعلى رجل أمن يراه واقفاً في الشارع. لذلك، فإن الوفاء لهذا الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بصون دماء أبنائه، وحماية رجاله، ومواجهة كل فكر يستبيح الحياة.
فليس من حق الإرهاب أن يجعلنا نعتاد الخوف، وليس من حق الغدر أن ينتزع من الأردنيين طمأنينتهم. دماء الأردنيين ليست مستباحة، وأمنهم ليس مجالاً للتهاون. فالأردن الذي نحبّه يستحق أن نحيا فيه آمنين، وأن يعود أبناؤه إلى بيوتهم سالمين، وأن تبقى أفراحه أفراحاً، وأحزانه أحزاناً لا تضيف إليها رصاصة غدر وجعاً جديد
الرجاء الانتظار ...