من كنيسة الكرك إلى عمّان .. ماذا يريد الإرهاب من الأردن؟
التاج الإخباري -
بقلم : حنين زبيده
لم تعد المسألة مجرد حوادث أمنية عابرة، ولا يمكن التعامل مع ما شهدته المملكة خلال الأيام الماضية باعتباره أحداثاً منفصلة لا يجمع بينها شيء؛ فخلال 13 يوماً فقط، شهد الأردن حادثتين إرهابيتين خطيرتين، أعادتا ملف التطرف والإرهاب إلى الواجهة، وطرحتا تساؤلات جدية حول محاولات استهداف الأمن والاستقرار الداخلي في المملكة.
فبعد حادثة كنيسة حمود في محافظة الكرك، التي وقعت يوم الجمعة 23 تشرين الأول الماضي، واستهدفت أشخاصاً عُزّلاً وأبرياء، وأسفرت عن استشهاد تسعة أشخاص، استفاقت العاصمة عمّان اليوم الخميس على جريمة إرهابية جديدة، لكن هذه المرة في قلب العاصمة، وتحديداً في شارع المدينة المنورة، أحد أكثر الشوارع الحيوية فيها.
لم تقع الجريمة في ساعة متأخرة من الليل، أو في منطقة بعيدة عن أعين الناس، بل وقعت قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، وفي وضح النهار، وأمام المارة وفي شارع يعج بالحركة. مشهد مدمي للقلوب، يصعب استيعاب تفاصيله، حين يتحول شارع اعتاد الأردنيون المرور فيه وممارسة حياتهم اليومية إلى مسرح لجريمة تستهدف حياة إنسان كان يؤدي واجبه في حماية الآخرين.
فقد أقدم منفذ الهجوم على مهاجمة أحد مرتبات الأمن العام، محاولاً الاستيلاء على سلاحه، قبل أن يشهر سلاحاً أبيض وينحره من منطقة الرقبة، ليفارق رجل الأمن الحياة شهيداً أثناء تأديته واجبه، فيما دخل المنفذ في اشتباك مع رجل أمن آخر، أسفر عن إصابته ونقله إلى المستشفى، بينما وصفت حالة منفذ الهجوم بالخطيرة.
الإرهاب لا يميز بين مسلم ومسيحي.. ولا بين مدني ورجل أمن
لعل أبرز ما يجب التوقف عنده في الحادثتين أن الإرهاب لم يفرق بين ضحاياه؛ ففي الكرك كان المستهدفون أشخاصاً أبرياء داخل كنيسة، وفي عمّان كان المستهدف رجل أمن عام يقف في الشارع ويؤدي واجبه، اختلف المكان واختلفت هوية الضحايا وطبيعة الاستهداف، لكن النتيجة واحدة: إرهاب لا يعرف حرمة الدم، ولا يعترف بحق الإنسان في الحياة، ولا يقيم وزناً لقيمة الوطن وأمنه واستقراره.
وهنا، لا بد من قراءة المشهد بصورة أوسع؛ فحين تتكرر الأعمال الإرهابية خلال فترة زمنية قصيرة، وتنتقل من استهداف مدنيين عُزّل إلى استهداف أفراد الأجهزة الأمنية في قلب العاصمة، فإن ذلك يفرض التعامل مع التهديدات المتطرفة بأعلى درجات الجدية واليقظة.
إن الحديث عن خلايا نائمة أو أفراد يحملون فكراً إرهابياً لم يعد مجرد ملف أمني نظري، بل إن ما شهدته المملكة يفرض ضرورة متابعة كل المؤشرات التي قد تكشف عن محاولات لتنفيذ أعمال إرهابية، سواء استهدفت المواطنين أو رجال الأمن أو أي فئة من فئات المجتمع الأردني.
وفي أعقاب حادثة الكرك، كانت الرسالة الملكية واضحة بشأن التعامل بحزم مع كل من تسول له نفسه العبث بأمن الأردن واستقراره، والتأكيد على أن الدولة لن تتهاون مع الإرهاب والإرهابيين، وأن الضرب بيد من حديد هو النهج في مواجهة هذه التهديدات.
واليوم، وعلى الرغم من وجود جلالة الملك عبدالله الثاني في زيارة رسمية إلى جمهورية كازاخستان، فإن أمن الأردن وسلامة الأردنيين يبقيان في مقدمة أولوياته؛ إذ تابع جلالته التطورات المرتبطة بالتحقيقات في الهجوم الإرهابي الذي وقع في قلب العاصمة، فيما جاءت رسالته واضحة من أستانا، مؤكداً أن الأردن لن يتهاون في محاربة الإرهاب والتطرف، ولن يسمح لأي أحد بتهديد أمن المملكة أو إيذاء مواطنيها. وهي رسالة تؤكد أن مواجهة الإرهاب ليست موقفاً مرتبطاً بمكان أو ظرف، بل نهج ثابت لا تراجع عنه، وأن أمن الأردنيين سيبقى أولوية لا تقبل المساومة.
الأردن ليس ساحة لمشاريع الإرهاب
إن أخطر ما يمكن أن يسعى إليه أصحاب الفكر المتطرف ليس فقط إيقاع الضحايا، بل محاولة بث الخوف والقلق بين الأردنيين، وزرع الفتنة بين مكونات المجتمع، وإظهار الدولة وكأنها أمام تهديد لا تستطيع احتواءه. لكن الأردن الذي تجاوز الكثير من التحديات والظروف الإقليمية الصعبة، لن يسمح بتحويل هذه المحاولات إلى واقع.
فالأردنيون، بمختلف أصولهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم، يقفون في خندق واحد أمام الإرهاب، ولا يمكن لجريمة تستهدف كنيسة أن تفرق بينهم، كما لا يمكن لجريمة تستهدف رجل أمن أن تضعف ثقتهم بمؤسسات دولتهم.
واستهداف رجل الأمن العام ليس اعتداءً على فرد فحسب، بل هو اعتداء على المؤسسة التي تقف في الميدان لحماية المواطنين، وعلى كل من يحمل مسؤولية حفظ أمن هذا الوطن. ومن هنا، فإن دماء شهداء الوطن، سواء كانوا مدنيين أو من مرتبات الأجهزة الأمنية، ستبقى حاضرة في وجدان الأردنيين، ولن تكون جرائم الإرهاب سبباً للتراجع أو الخوف.
رحم الله شهداء الوطن في الكرك، ورحم شهيد الواجب في عمّان، وأسكنهم فسيح جناته، ومنّ على رجل الأمن المصاب بالشفاء العاجل.
أما الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يفكر باستهداف الأردن، فهي أن هذا البلد ليس ساحة مفتوحة لمشاريع الإرهاب، ولن يكون كذلك. فالأردن عصيّ على الإرهاب والإرهابيين، ولن تسمح دولته ومؤسساته ومجتمعه لأي جهة كانت بأن تعبث بأمنه أو تستهدف وحدته الوطنية.
من كنيسة الكرك إلى شوارع عمّان، تبقى الرسالة واحدة: دم الأردني ليس مباحاً، وأمن الأردن واستقراره خط أحمر.
الرجاء الانتظار ...