الثقة الأمريكية تتآكل .. "إيبولا" و"هانتا" يكشفان أزمة ما بعد "كورونا"
التاج الإخباري -
كشفت المخاوف المتصاعدة داخل الولايات المتحدة بشأن فيروسَي "إيبولا" و"هانتا"، عن أزمة أعمق تضرب منظومة الصحة العامة الأمريكية، على ما أورد موقع "بوليتيكو" في تقرير.وتتمثل الأزمة في تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الصحية والحكومية منذ جائحة كورونا، في وقت يحذر فيه خبراء من أن هذه الفجوة قد تتحول إلى نقطة ضعف خطيرة إذا واجهت البلاد وباءً جديداً واسع النطاق.
وبحسب التقرير، فإن السلطات الأمريكية تتابع حالياً عشرات الحالات المرتبطة بفيروس "هانتا" بعد حجر عدد من الأشخاص في ولاية نبراسكا، بالتزامن مع نقل مبشر طبي أمريكي مصاب بفيروس "إيبولا" من أفريقيا الوسطى إلى ألمانيا لتلقي العلاج، وسط تصاعد الجدل السياسي والشعبي حول طريقة تعامل الحكومة مع أي تهديد صحي جديد.
إرث كورونا
ويرى مسؤولون وخبراء شاركوا في إدارة أزمة كورونا خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب أن الخطر الأكبر حالياً لا يتمثل في الفيروسات نفسها بقدر ما يتمثل في حالة الشك العميق تجاه الرسائل الرسمية الصادرة عن مؤسسات الصحة العامة الأمريكية.
وقال جيروم آدامز، الذي شغل منصب الجراح العام الأمريكي خلال إدارة ترامب الأولى، إن الولايات المتحدة أصبحت اليوم "في وضع أسوأ" من مرحلة ما بعد كورونا من حيث استعداد المواطنين لتصديق التوجيهات الصحية أو الالتزام بالإجراءات الوقائية عند الحاجة. وأضاف أن أي انتشار واسع لفيروس جديد قد يواجه مقاومة شعبية أكبر من السابق، وهو ما قد يعقد جهود الاحتواء والاستجابة السريعة.
ويأتي ذلك في ظل استمرار تأثير ما يعرف بحركة "اجعلوا أمريكا صحية مجدداً" (MAHA)، وهي تيار سياسي وصحي متداخل مع القاعدة المحافظة الداعمة لترامب، تبنى خلال جائحة كورونا مواقف متشددة ضد الإغلاقات واللقاحات الإلزامية وبعض سياسات الصحة العامة.
نظريات مؤامرة
مع عودة الحديث عن الفيروسات المعدية، بدأت مجدداً موجة من نظريات المؤامرة والاتهامات السياسية بالانتشار داخل الأوساط المحافظة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصف بعض المؤثرين اليمينيين تفشي "إيبولا" بأنه محاولة جديدة للتأثير على الانتخابات الأمريكية أو فرض قيود حكومية جديدة.
وشهدت المنصات المحافظة تصريحات مثيرة للجدل من شخصيات مثل الناشطة اليمينية لورا لومر، والممثلة السياسية السابقة مارجوري تايلور غرين، والممثل المحافظ جيمس وودز، الذين شككوا في دوافع الحكومة ووسائل الإعلام بشأن تغطية الفيروسات الحالية.
في المقابل، حاولت إدارة ترامب ووزارة الصحة الأمريكية التقليل من المخاوف، مؤكدة أن الوضع لا يشكل تهديداً مباشراً للأمريكيين حتى الآن، وأن الإجراءات الحالية تقتصر على الاحتواء الوقائي ومراقبة الحالات المحتملة.
وأكد متحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أن الوزارة "تحركت بقوة" للتعامل مع حالتي "إيبولا" و"هانتا"، من خلال نشر فرق متخصصة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، والتنسيق مع الشركاء الدوليين، وتقديم الإرشادات الفنية اللازمة لحماية الصحة العامة.
أزمة قيادة
وأشار تقرير الموقع إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت تعاني فيه وزارة الصحة الأمريكية من فراغ إداري ملحوظ، مع غياب مدير دائم لمراكز السيطرة على الأمراض، وعدم تعيين جراح عام دائم، إلى جانب البحث عن مفوض جديد لإدارة الغذاء والدواء بعد استقالة مارتي ماكاري مؤخراً.
ويرى مسؤولون سابقون أن هذا الفراغ القيادي قد يضعف القدرة على إدارة الأزمات الصحية مستقبلاً، خصوصاً في ظل غياب ما وصفوه بـ"غرفة القيادة الموحدة" القادرة على تنسيق الرسائل العامة واتخاذ القرارات السريعة.
وقال كريس ميكينز، الذي عمل في ملف الاستجابة للطوارئ الصحية خلال إدارة ترامب الأولى، إن المشكلة الحالية تكمن في أن "أحداً لا يعرف فعلياً من يتخذ القرارات"، مضيفاً أن هيكلية صنع القرار داخل الوزارة أصبحت غير واضحة حتى للمسؤولين السابقين.
معركة الثقة
ويضع التقرير وزير الصحة الأمريكي روبرت إف. كينيدي جونيور. في موقع معقد داخل هذه الأزمة، إذ يرى بعض حلفائه أنه يمتلك قدرة فريدة على مخاطبة الفئات المحافظة المتشككة بالمؤسسات الصحية التقليدية، بحكم تاريخه الطويل في انتقاد سياسات اللقاحات والهيئات الصحية الفيدرالية.
وبحسب التقرير، فإن نحو 3 من كل 10 أمريكيين يقولون إنهم يتبنون أفكار حركة "اجعلوا أمريكا صحية مجدداً"، ما يمنح كينيدي مساحة تأثير مهمة داخل جمهور يصعب على المؤسسات الصحية التقليدية الوصول إليه.
ويرى بعض حلفاء الإدارة أن تعامل الحكومة الحالي مع الفيروسات يبدو "متناسباً مع حجم المخاطر"، خصوصاً مع تجنب اللجوء إلى إجراءات واسعة أو خطاب تخويفي مشابه لما حدث خلال جائحة كورونا.
لكن خبراء آخرين يحذرون من أن المبالغة في التطمينات قد تكون خطيرة أيضاً، لأن أي تطور مفاجئ في انتشار الفيروسات قد يواجه جمهوراً أصبح أقل استعداداً للاستجابة السريعة أو الالتزام بالتعليمات الحكومية.
الخطر الحقيقي
ورغم تأكيد الخبراء أن "إيبولا" و"هانتا" لا يشكلان حالياً تهديداً وبائياً واسعاً داخل الولايات المتحدة، فإن القلق الحقيقي يتمثل في اختبار قدرة النظام الصحي الأمريكي على استعادة الثقة المفقودة بعد كورونا.
ويحذر مسؤولون سابقون من أن استمرار الانقسام السياسي والتشكيك بالمؤسسات الصحية قد يحول أي أزمة صحية مستقبلية إلى مواجهة داخلية أكثر تعقيداً من التهديد الوبائي نفسه، خصوصاً إذا اضطرت الحكومة مستقبلاً إلى إعادة استخدام أدوات مثل الحجر الصحي أو حملات التطعيم الجماعية.
وقال جيروم آدامز إن الولايات المتحدة قد لا تستعيد ثقتها بالصحة العامة إلا بعد "حدوث صدمة جديدة"، مضيفاً أن الأمريكيين قد لا يقتنعون بخطورة الوضع إلا إذا شهدوا انتشاراً محلياً واسعاً لفيروس خطير داخل البلاد.
الرجاء الانتظار ...