أوراق مرفوضة وتطبيقات متوقفة .. معركة يومية في غزة للحصول على الخبز
التاج الإخباري -
في غزة، لم يعد امتلاك المال كافياً للشراء، فالعائلة قد تملك رصيداً على الهاتف لكنها تحتاج شبكة إنترنت وتطبيقاً وتاجراً يقبل الدفع الإلكتروني.وقد تملك ورقة نقدية لكنها مهترئة يرفضها البائع أو السائق، وبين النقد المعطل والدفع الرقمي المتعب، تتآكل قيمة المساعدة قبل أن يصل الطعام والدواء لأيدي المواطنين.
بين أكياس البسكويت ورفوف البضائع الصغيرة على إحدى بسطات الشارع، يقف الحاج حسن حجي (55 عاماً)، ممسكاً بهاتفه بيدين متعبتين، محاولاً إتمام عملية دفع إلكتروني لشراء بعض احتياجات أحفاده.
تتنقل عيناه بين شاشة الهاتف وما اختاره من أغراض بسيطة، فيما ينتظر شبكة إنترنت مستقرة وتطبيقاً مصرفياً يستجيب في وقت جعلت فيه الحرب الوصول إلى المال، ثم استخدامه، مهمة يومية مرهقة.
منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، توقف حسن عن العمل، وصار يعتمد على ما يصله من مساعدات لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، وبينما يحاول إتمام التحويل البنكي، يقول بنبرة ضيق: "لو كانوا يتعاملون بالنقد ما كنت لأضيع نص ساعة وأنا أحاول الاتصال بالإنترنت وتشغيل تطبيق الدفع".
يدرك حسن أن التحويل البنكي صار وسيلة شبه مفروضة في ظل أزمة السيولة، غير أن البديل النقدي يحمل هو الآخر معاناة مختلفة؛ فالأوراق المتداولة في السوق مهترئة غالباً، ويصعب تبديلها أو الشراء بها، بعدما أصبح كثير من التجار يرفضون التعامل مع العملات التالفة أو يعيدونها إلى الزبائن.
ما يفعله حسن أمام البسطة يتجاوز عملية شراء عابرة، كان الرجل ينتقي بعناية ما يفرح أحفاده، ويوازن بين احتياجاتهم وما يسمح به المبلغ المتاح على الهاتف.
في هذا المشهد الصغير تتكثف أزمة واسعة، فالمساعدة قد تصل رقمياً، لكنها تحتاج الكثير حتى تتحول إلى طعام أو حاجات بسيطة على مائدة العائلة.
تقطع رنا نافذ (48 عاماً) مسافات طويلة على قدميها لتؤمن احتياجات بيتها، في يوميات صار فيها استخدام المال عبئاً موازياً لندرة المال نفسه.
تقول رنا إن النقد، إن توفر بعملة صالحة ومتداولة، كان سيجعل الحركة اليومية أيسر بكثير، أما الدفع البنكي فيضعها أمام قلق من نوع آخر؛ إذ تضطر أحياناً إلى إرسال هاتفها مع ابنتها الصغيرة لإتمام عملية شراء بسيطة، فتجد نفسها خائفة على الهاتف والطفلة في الوقت ذاته.
تتسع الأزمة في تفاصيل الحركة اليومية، حضرت رنا إلى السوق مشياً، بعد أن قطعت نحو 6 كيلومترات، بسبب غياب "الفكّة" أو رفض بعض السائقين العملات المهترئة.
هكذا تصبح المواصلات نفسها مرتبطة بسؤال السيولة الصغيرة، ويتحول الانتقال من مكان إلى آخر إلى حساب مالي معقد قبل أن يكون مسافة على الطريق.
في تجربة رنا، يظهر الدفع الإلكتروني كوسيلة عملية عند البعض، وعبء إضافي عند آخرين، خصوصاً للنساء والأمهات، فالهاتف صار أداة شراء، ومصدر قلق، وممراً شبه إلزامي للوصول إلى احتياجات يومية صغيرة.
في السوق ذاته، كان كمال خروات (36 عاماً) يحاول شراء بعض احتياجات بيته، واختار هذا الأب الذي يعيل عدداً من الأبناء أصغرهم 3 أعوام، أن يشتري البطاطس والليمون والفلفل، وبعدما قدم المال للبائع، اضطر إلى إرجاع ما اشتراه لأن صاحب البسطة رفض التعامل مع العملة التي يحملها.
"لن أعود إلى البيت بأي من الحاجيات التي طلبتها زوجتي، وسنتناول المعلبات على وجبة الغداء، لأن هذه هي البسطة الثالثة التي أعيد لصاحبها كل ما اشتريته لأنه لم يقبل بالمال"، يقول كمال بحسرة.
تتضاعف معاناة كمال لأنه لا يملك حساباً بنكياً أو محفظة إلكترونية، فيبقى مضطراً للشراء بالأوراق النقدية، رغم ندرة التعامل بها وصعوبة قبول التالف منها في الأسواق.
على الجانب الآخر من البسطة، يعيش الباعة الأزمة من زاوية مختلفة، رامي أبو ركبة (20 عاماً)، صاحب بسطة، يفضل التعامل عبر الدفع البنكي، ويروي أنه في الأسبوع الماضي استلم ورقة نقدية من فئة 100 شيكل من سيدة أصرّت على الشراء بها، فاستجاب لها تعاطفاً، غير أن الورقة بقيت بحوزته حتى الآن بسبب اهترائها الشديد، وعجزه عن تمريرها في أي عملية بيع أو شراء لاحقة.
يوضح رامي أن البائع نفسه يخشى أن تتحول الورقة التالفة إلى خسارة معلقة في جيبه، فالعملة التي يرفضها الزبون التالي أو المورد تصبح عبئاً على صاحب البسطة.
في بسطة خضروات وفواكه صغيرة، يحاول إبراهيم الكفارنة (26 عاماً) أن يستعيد جزءاً من حياته التي بقيت خلفه في بيت حانون، حيث نزح بعد تدمير منطقته بالكامل، وفقد بيته ومشروعه، ثم وجد نفسه أمام بداية قاسية في سوق مرتبك، تتحكم فيه السيولة النادرة والعملات المهترئة والتحويلات البنكية المعقدة.
يقول إبراهيم إن البيع والشراء فقدا بساطتهما، فالتاجر يحتاج إلى نقد صالح يستطيع استخدامه في شراء بضاعة جديدة ودفع أجرة النقل والتعامل مع الموردين؛ لذلك يحاول الحصول على أوراق نقدية جيدة قابلة للتداول، لأن العملة المهترئة قد تتعطل في يده، ويرفضها زبون هنا أو مورد هناك.
على مستوى المؤسسات، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً، يقول محمد العطار، مدير مؤسسة بختوري، إن المؤسسة اضطرت إلى اعتماد التحويل البنكي بدل التسليم النقدي المباشر، في ظل أزمة السيولة الحادة وارتفاع كلفة الحصول على النقد في السوق.
ويوضح العطار أن تسليم الكفالات نقداً يعرض المستفيدين لاقتطاعات مرتفعة عبر عمولات السحب، كما يضع بعض الأسر أمام قيود يفرضها التجار، من بينها إلزام المستفيد بالشراء بكامل قيمة المبلغ من محل محدد.
ويشير إلى أن التحويل البنكي جاء كخيار أقل ضرراً، رغم ما يرافقه من صعوبات إجرائية، أبرزها قيود سلطة النقد على سقف التحويلات وتعقيدات تعامل بعض الجهات المالية، ولجأت المؤسسة إلى حسابات أفراد موثوقين لتسيير التحويلات.
وبحسب العطار، خفّض التحويل البنكي كلفة العمولة من 17%–19% إلى نحو 2%، لكنه لا يلغي التحديات.
وتبقى معاناة أسر الشهداء قائمة، مع وصول ما بين 36 إلى 40 ألف أرملة في قطاع غزة وفق تقديرات ميدانية، وكفالة المؤسسة لنحو 2560 من عوائل الشهداء.
ويطالب العطار بتسهيل آليات التحويل لضمان وصول الكفالات بأقل خسارة ممكنة.
بين الحاج حسن ورنا وكمال ورامي وإبراهيم، تتضح أزمة أعمق من ندرة السيولة، وهي قدرة الناس على استخدام المال نفسه.
فالورقة النقدية تفقد قيمتها حين تهترئ، والتحويل البنكي يتعثر مع ضعف الشبكة أو رفض التعامل، والمساعدة الرقمية قد تتأخر أو تتآكل قبل أن تتحول إلى طعام.
هكذا يخوض الغزيون معركة يومية بين نقد معطل وتطبيق متعب لتحويل المال إلى رغيف خبز.
الرجاء الانتظار ...