هل فرض الأردن رسومًا جمركية على سوريا أم ردّ بالمثل؟ .. الأرقام تحسم "موجة الامتعاض"
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.خبير اقتصادي لـ "التاج" : الأردن قدّم تسهيلات واسعة لعبور البضائع السورية "ترانزيت"
خبير اقتصادي لـ "التاج" : تخفيض سوريا للرسوم على البضائع الأردنية سينعكس إيجابًا على البلدين
شهدنا خلال الساعات الماضية تراشقًا إعلاميًا وتصعيدًا في الخطاب المرتبط بالرسوم الجمركية بين الأردن وسوريا، في ظل انتقادات للقرارات الأردنية الأخيرة.
"موجة الامتعاض" هذه لم تقتصر على الجانب السوري فحسب، بل امتدت إلى الداخل الأردني، حيث ظهرت أصوات رافضة لفرض رسوم جمركية على المنتجات السورية !
وكما هو الحال دائمًا، يتم "كيل" الاتهامات إلى الأردن استنادًا إلى تصريحات "سطحية" ومنشورات "عدائية" من هنا وهناك، دون التحقق من واقع الأمر .. فما حقيقة فرض الأردن لرسوم جمركية على المنتجات السورية ؟
قبل كل شيء، لابد من الإشارة الى أن المعطيات الرسمية والأرقام الدقيقة تشير إلى فرض الجانب السوري رسوماً مرتفعة على عدد من الصادرات الأردنية، تصل إلى نحو 225% وبنسب متفاوتة على العديد من القطاعات والتي نذكر من بينها - على سبيل الذكر لا الحصر – ما يلي:
- قطاع المنظفات (3402) يخضع لرسوم جمركية سورية تبلغ نحو 500 دولار للطن، ما يعادل 88% من سعر المنتج
- قطاع الألبسة (61-63) يخضع لرسوم تبلغ نحو 4004 دولارات للطن، حيث تصل في بعض البنود إلى 225%، فيما يبلغ متوسطها نحو 68% من سعر الألبسة الجاهزة، وترتفع في منتجات مثل الجوارب إلى 166% بمتوسط 86%، بينما تصل إلى 103% للألبسة المصنعة بمتوسط يقارب 70% من قيمة السلعة.
- قطاع الصناعات البلاستيكية (39) يواجه رسوماً جمركية تبلغ 989 دولاراً للطن، ما يعادل 65% من سعر التصدير
- قطاع الإسمنت (2523)، فتبلغ الرسوم المفروضة عليه نحو 29 دولاراً للطن، بما يعادل 45% من سعر التصدير.
هذه الأرقام تعكس تفاوت الرسوم بين القطاعات، لكنها في مجملها تشير إلى ارتفاع الكلف التي تواجه المنتجات الأردنية في السوق السورية، ما يفرض تحديات على تنافسيتها.
معاملة بالمثل وفرض رسوم حمائية أردنية
ومن هنا يؤكد الخبراء والمختصون أن الإجراءات الأردنية، بما فيها فرض رسوم حمائية، تستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل وتهدف إلى تحقيق التوازن في التبادل التجاري وحماية المنتج المحلي، وسط علاقات اقتصادية متشابكة وتاريخ طويل من التعاون والدعم بين البلدين.
ولوضع الأمور في نصابها الصحيح، قال الخبير والمحلل الاقتصادي منير دية إن قرار إعادة فتح باب الاستيراد من سوريا اعتبارًا من الأول من نيسان 2026، جاء استنادًا إلى الكتاب الصادر عن وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية رقم (34) لسنة 2026، والذي تضمّن رفع الحظر السابق المفروض على السلع السورية، إلى جانب فرض رسوم حماية جمركية على قائمة محددة من السلع، تشمل المواد الغذائية والمنسوجات وبعض الصناعات الهندسية والكيميائية.
وأوضح دية أن هذا القرار يعكس حرص الأردن على إقامة علاقات اقتصادية متوازنة مع سوريا، تقوم على أسس واضحة تراعي المصالح المشتركة وتحافظ في الوقت ذاته على حماية المنتج المحلي الأردني، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها القطاعات الصناعية.
وأشار إلى أن الأردن، ومنذ بداية المرحلة الجديدة في سوريا، بادر إلى تقديم أشكال متعددة من الدعم والتعاون الاقتصادي، من خلال اتخاذ قرارات تهدف إلى تسهيل دخول البضائع إلى سوريا، وكذلك استقبال السلع السورية إلى السوق الأردني، إلى جانب تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، وتنشيط حركة الترانزيت والنقل بين البلدين، بما يسهم في دعم الاقتصاد السوري خلال مرحلة إعادة الإعمار.
وبيّن أن المملكة عملت على فتح ميناء العقبة أمام البضائع المتجهة إلى سوريا، خصوصًا مواد البناء مثل الحديد والمواد الإنشائية، كما قدمت تسهيلات في مجال الربط الكهربائي والتزويد بالغاز العربي، إضافة إلى إعادة تشغيل حركة الطيران أمام المسافرين السوريين، وتسهيل إجراءات استقبال ركاب الترانزيت ونقلهم من المطار إلى الحدود البرية.
وأضاف دية أن الأردن تحمّل أعباء كبيرة منذ اندلاع الأزمة السورية عامي 2011 و2012، خاصة في ظل موجات اللجوء التي فرضت ضغوطًا كبيرة على البنية التحتية وقطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة، مؤكدًا أن المملكة أدت دورها الإنساني والاقتصادي تجاه الأشقاء السوريين.
وأكد أن الأردن يواصل اليوم سعيه لتعزيز علاقاته الاقتصادية والسياسية مع سوريا، بما يضمن الحفاظ على أمن الحدود والحد من عمليات التهريب، خاصة تهريب المخدرات والأسلحة، والتي تفاقمت خلال سنوات الأزمة نتيجة غياب الاستقرار الأمني.
وفيما يتعلق بقرار إلغاء القيود السابقة على الاستيراد من سوريا، أوضح دية أن هذا القرار يستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل، حيث إن الجانب السوري يفرض رسومًا جمركية مرتفعة على السلع الأردنية، ما دفع الأردن إلى فرض رسوم حماية بنسب متفاوتة، بهدف حماية الصناعات المحلية وتحقيق التوازن في التبادل التجاري بين البلدين.
الأردن قدّم تسهيلات واسعة لعبور البضائع السورية إلى مختلف الأسواق
وأشار إلى أن هذه الرسوم لا تعني إعاقة حركة التجارة أو الحد من التعاون الاقتصادي، بل تهدف إلى تنظيمه بما يخدم مصالح الطرفين، لافتًا إلى أن بإمكان الجانب السوري تخفيض الرسوم المفروضة على البضائع الأردنية، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على القرارات الأردنية في هذا الإطار.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب إزالة العقبات أمام التجارة البينية، وتسهيل دخول البضائع، بما يسهم في زيادة حجم التبادل التجاري، خاصة في السلع التي لا يتم إنتاجها محليًا، بما يدعم اقتصادات البلدين.
وأوضح دية أن الأردن قدّم تسهيلات واسعة لعبور البضائع السورية إلى مختلف الأسواق، لا سيما دول الخليج، عبر أراضيه، من خلال دعم حركة الشاحنات السورية وتمكينها من الوصول إلى ميناء العقبة والمصانع والمنافذ البرية، إضافة إلى تسهيل تصدير المنتجات السورية إلى مصر ودول أخرى حول العالم.
وأكد أن المملكة فتحت أراضيها أمام حركة الترانزيت، وقدمت تسهيلات كبيرة في هذا المجال، بما يعزز دورها كممر تجاري إقليمي، ويسهم في دعم الاقتصاد السوري خلال مرحلة التعافي.
وأضاف أن الأردن يحرص على بناء علاقات اقتصادية متينة مع سوريا، تقوم على التكامل والمصالح المتبادلة، بما يدعم القطاعات الحيوية في البلدين، ويضمن عدم الإضرار بالمصالح العليا لأي منهما.
ولفت إلى أهمية تعزيز التعاون في قطاعات رئيسية، مثل الطاقة، والربط الكهربائي، والمياه، والقطاع الإنشائي، إلى جانب تسهيل حركة النقل والتجارة، وفتح أسواق خارجية جديدة تخدم الطرفين.
وختم دية بالتأكيد على ضرورة أن يلتزم الطرفان بمبدأ المعاملة بالمثل، وتجنب أي ممارسات قد تؤدي إلى خلق توترات أو أزمات بين البلدين، مشيرًا إلى أن الأردن، وعلى مدار سنوات الأزمة، قدّم دعمًا كبيرًا لسوريا، وساهم في تسهيل حركة الأفراد والبضائع، وفتح الموانئ والمطارات والمنافذ البرية والبحرية والجوية، بما ساعد في وصول الركاب والسلع إلى مختلف الوجهات، سواء داخل سوريا أو إلى دول الخليج والعالم.
الرجاء الانتظار ...