الرواشده تكتب: من المدرجات إلى القلوب .. حكاية فوز اسمها الأردن
التاج الإخباري -
بقلم: د .ميساء الرواشده.بصراحة، أنا لا أنظر إلى كأس العالم بعين الربح والخسارة، ولا أتعامل معه باعتباره مجرد مباريات تنتهي بفائز وخاسر. أراه فرصة جميلة للتعبير عن حب الوطن، والاستمتاع بمشاعر الانتماء التي تتجلى في مثل هذه المناسبات. وما شاهدناه اليوم من أجواء احتفالية صباحية في شوارع عمان ومقاهيها وبيوتها، ومن أعلام ترفرف وابتسامات تملأ الوجوه وأحاديث لا تتوقف عن النشامى، كان كفيلاً بأن يجعلنا نشعر بالفخر قبل أن تبدأ أي مباراة. وربما لهذا السبب كتبت هذا المقال؛ لأن ما لفت انتباهي لم يكن النتيجة على لوحة الملعب، بل تلك المشاعر الجميلة التي أعادت جمع الأردنيين حول اسم واحد هو الأردن.
منذ أن حجز منتخب النشامى مقعده في كأس العالم، بدأ الأردن يحصد انتصاره الحقيقي قبل أن تنطلق صافرة أي مباراة. فالوصول إلى هذا المحفل العالمي ليس مجرد إنجاز رياضي يُضاف إلى سجل الكرة الأردنية، بل لحظة وطنية استثنائية أعادت تعريف معنى الفوز، وجمعت الأردنيين حول راية واحدة وقلب واحد وحلم واحد.
قد يختصر البعض الفوز في عدد الأهداف أو في بلوغ الأدوار النهائية، لكن هناك انتصارات لا تُقاس بالنتائج ولا تُختزل في جداول الترتيب. أن يرتفع علم الأردن بين أعلام العالم، وأن يُعزف السلام الملكي الأردني في ملاعب كأس العالم، وأن يُذكر اسم الأردن في أكبر حدث رياضي على وجه الأرض، فذلك وحده انتصار يستحق أن يُروى للأجيال.
وخلال وجود المنتخب في الولايات المتحدة الأمريكية، تجلت صورة الأردن بأبهى معانيها. رأينا أبناء الجالية الأردنية يتوافدون من مختلف الولايات والمدن، يقطعون مئات الأميال ليكونوا قريبين من منتخبهم، وكأن قطعة من الوطن جاءت لتزورهم بعد طول غياب. لم يكن المشهد مجرد جماهير تشجع فريقاً رياضياً، بل أبناء وطن وجدوا في المنتخب فرصة ليعبروا عن عشقهم للأردن وحنينهم إليه.
كانت الهوية الأردنية حاضرة في كل التفاصيل؛ في الكوفية الحمراء التي ازدانت بها الأكتاف، وفي الأعلام التي رفرفت بفخر في المدرجات، وفي الهتافات التي صدحت باسم الوطن، وفي اللهجة الأردنية التي ملأت المكان دفئاً وألفة. كان الجميع يشعر بأن المنتخب لا يمثل أحد عشر لاعباً داخل الملعب، بل يمثل حكاية وطن بأكمله.
لقد فاز الأردن بمحبة أبنائه قبل أن يفوز بأي مباراة. وفاز بأخلاق جماهيره التي كانت سفيرة حقيقية للوطن أينما ذهبت. وفاز عندما شاهد العالم نموذج المشجع الأردني الذي يجمع بين الحماس والاحترام والروح الرياضية. وفاز عندما قدم الأردنيون صورة حضارية مشرقة، حتى في التفاصيل الصغيرة، حين بادر كثير منهم إلى تنظيف المدرجات بعد انتهاء المباريات، مؤكدين أن الانتماء ليس شعاراً يرفع، بل سلوكاً يمارس.
قد لا نصل إلى النهائيات، وقد لا نحقق كل ما نحلم به في هذه المشاركة الأولى، لكننا حققنا ما هو أهم؛ عرف العالم من هو الأردن، ومن هو الأردني النشمي. عرف شعباً يحمل وطنه معه أينما ذهب، ويستطيع أن يختلف في كل شيء، لكنه يجتمع دائماً عندما يناديه الوطن.
لقد فزنا عندما رفعنا علم الأردن في مختلف الولايات الأمريكية. وفزنا عندما اجتمعت الجالية الأردنية تحت راية واحدة وعلى أكتافها الكوفية الأردنية. وفزنا عندما صدحت أغاني الأردن وصوت عمر العبداللات في الملاعب الأمريكية. وفزنا عندما تحولت مقاهي عمان وشوارعها وساحاتها إلى مساحات فرح جماعية يعيش فيها الناس لحظة وطنية نادرة بكل ما تحمله من مشاعر جميلة.
لذلك لا ينبغي أن نرفع سقف التوقعات إلى حد يتحول معه الحلم إلى عبء على اللاعبين. دعونا نستمتع بالتجربة، ونشجع المنتخب، ونشجع العلم والكوفية، ونردد معاً: "يا بيرقنا العالي". فهذه المشاركة ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها، والقادم بإذن الله أجمل وأفضل.
والحقيقة أن الأردنيين لا يشجعون المنتخب حباً في كرة القدم فقط، بل حباً في الوطن. حتى أمهاتنا وجداتنا اللواتي قد لا يعرفن تفاصيل اللعبة ولا قوانينها، يجلسن أمام الشاشات وقلوبهن معلقة بالدعاء. فبالنسبة لهن، لاعبو المنتخب هم أبناء كل بيت أردني، وفرحتهم هي فرحة وطن بأكمله. نحن لا نلعب بأقدام اللاعبين فقط، بل بأرواحنا ومشاعرنا وأحلامنا التي نحملها معهم إلى كل ملعب.
وفي النهاية، يبقى الأردن أكبر من نتيجة مباراة، وأعظم من بطولة عابرة. الأردن دولة عظيمة بشعبها العظيم، بأخلاقه وانتمائه وروحه المرحة وخفة دمه وحضوره الجميل أينما حلّ. نحن شعب يستحق الفرح، والفرح الحقيقي يكمن في وحدتنا، وفي التفافنا خلف قيادتنا الهاشمية، وفي محبتنا الصادقة لهذه الأرض الطيبة.
فالأردني قد يسافر إلى أبعد بقاع الأرض، لكنه لا يغادر الأردن أبداً. يحمله معه في لهجته، وفي عاداته، وفي لباسه، وفي ذاكرته، وفي تفاصيل يومه. يراه الناس في ملامحه قبل أن يسمعوا صوته، ويشعرون بحبه لوطنه قبل أن يتحدث عنه. فالأردن ليس مكاناً نسكنه فقط، بل هو جزء من تكويننا الإنساني والوجداني.
الأردني ليس مجرد مواطن ينتمي إلى وطن، بل عاشق لوطنه. يحمل الأردن في قلبه كما يحمل القلب نبضه، ويعود إليه بالشوق نفسه مهما ابتعدت به المسافات. يرفع علمه بفخر، ويتحدث عنه بمحبة، ويحمله معه في كل مكان، لأن الوطن بالنسبة له ليس عنواناً على جواز سفر، بل قصة عمر وهوية وانتماء.
شكراً منتخب النشامى... لأنكم منحتمونا ما هو أكبر من فرصة للمنافسة. منحتمونا فرصة لنرى الأردن كما نحبه؛ موحداً، جميلاً، حاضراً في القلوب قبل المدرجات. منحتمونا فرصة لنقول للعالم بكل فخر: هنا الأردن... وهؤلاء هم الأردنيون.
وطنٌ صغير بمساحته، كبير بأهله، عظيم بقيمه وأخلاق أبنائه ومحبتهم له. وطنٌ إذا ناداه العلم اجتمعت القلوب، وإذا ارتفع اسمه علت الهامات، وإذا حضر الأردن غابت كل التفاصيل الأخرى. فشكراً للنشامى لأنكم منحتم العاشق فرصة ليعبر عن عشقه، ومنحتم الأردنيين مناسبة جميلة ليقولوا بصوت واحد: سنبقى نحب هذا الوطن، ونفخر به، ونحمله معنا أينما كنا، لأنه ببساطة... الأردن.
الرجاء الانتظار ...