من وجع الكرك إلى دمعة أم جواد السلايطة .. إلى متى يدفع الأردن ثمن الإرهاب؟

التاج الإخباري -

بقلم: همام الفريحات

هناك وجع لا تستطيع الكلمات أن تصفه، وهناك أمهات لن تعود أيامهن كما كانت، وبيوت ستبقى تنتظر أبناءها الذين خرجوا لأداء واجبهم ولم يعودوا.

من الكرك، التي ما زالت تحمل في ذاكرتها وجع الدم والإرهاب، إلى استشهاد العريف جواد السلايطة، يعود السؤال الذي يوجع قلب كل أردني: إلى متى تبقى دماء الأبرياء ورجال الأمن ثمنًا لأفكار متطرفة وعقول اختارت طريق القتل؟

في الكرك، لم تكن الحكاية مجرد حادثة إرهابية عابرة، بل كانت أيامًا ثقيلة على وطن بأكمله. دماء سالت، وأرواح ارتقت، وأمهات فقدن أبناءهن، وعائلات تبدلت حياتها في لحظة. واليوم، يتجدد الوجع مع استشهاد العريف جواد السلايطة، ذلك الشاب الذي خرج إلى عمله وواجبه، وربما لم يخطر بباله أن تكون تلك آخر مرة يودع فيها أهله.

تخيلوا أم جواد.. ربما كانت تنتظر عودته، وربما كانت تفكر بما ستعده له حين يعود إلى البيت، وربما كانت تراقب هاتفها بانتظار اتصال منه، قبل أن يصلها الخبر الذي لا تستطيع أم أن تتحمله. كيف يمكن لقلب أم أن يستوعب أن ابنها الذي خرج ليحمي الناس لن يعود إليهم؟

أي ذنب ارتكبه رجل أمن حتى يدفع حياته ثمنًا لجريمة إرهابية؟ وأي ذنب ارتكبته عائلة حتى تفقد ابنها الذي لم يكن يفعل سوى واجبه في حماية الوطن والمواطنين؟

إن الإرهاب ليس مجرد جريمة تقع وتنتهي، بل اعتداء على أمن الدولة وحق المجتمع في الحياة، ومحاولة لزرع الخوف في قلوب الناس. والأخطر أن بعض هذه الجرائم تقف خلفها أفكار متطرفة تتحول إلى أفعال دموية، وتدفع أصحابها إلى الاعتقاد بأن قتل الأبرياء واستهداف رجال الأمن طريق يمكن تبريره.

ومن هنا، لم يعد كافيًا أن ندين ونستنكر ونقيم بيوت العزاء، ثم نعود إلى حياتنا بانتظار فاجعة جديدة. المطلوب أن تتحول هذه الأحداث إلى مراجعة حقيقية للتشريعات والعقوبات، وأن يكون هناك موقف وطني واضح من كل من يخطط أو ينفذ أو يمول أو يجنّد لصالح تنظيمات إرهابية.

حان الأوان لأن تتحرك الحكومة ومجلس النواب نحو إصدار قانون خاص أو إجراء تعديلات تشريعية تضمن تغليظ العقوبات بحق مرتكبي الجرائم الإرهابية، وكل من يثبت انضمامه إلى تنظيمات إرهابية أو مشاركته في أنشطتها الإجرامية، أو تمويلها وتجنيد الأفراد لصالحها. وأن تصل العقوبات إلى السجن المؤبد، وصولًا إلى الإعدام في الجرائم الأشد خطورة التي تستوفي شروطها القانونية، خصوصًا تلك التي تتضمن القتل العمد واستهداف رجال الأمن والمواطنين الأبرياء.

ولا بد أن تكون هناك مراجعة جادة للعقوبات المتعلقة بالتحريض والتجنيد والتخطيط والتمويل، مع التمييز بين مجرد الأفكار والمعتقدات، وبين الأفعال الإرهابية والتحريض المباشر عليها، حتى لا يُترك مجال للثغرات القانونية، وحتى تكون المحاسبة قائمة على الأدلة والمحاكمات العادلة.

إن المطلوب ليس تشريعًا يُكتب تحت تأثير الغضب، بل قانون يعبّر عن إرادة الدولة في حماية مواطنيها، ويحقق الردع والعدالة، ويؤكد أن دماء الأردنيين ليست رخيصة، وأن الاعتداء على رجال الأمن ليس جريمة عادية يمكن التعامل معها باعتبارها حادثًا عابرًا.

فكل شهيد ترك خلفه أمًا مكلومة، وأبًا موجوعًا، وأشقاء وأصدقاء وبيوتًا فقدت جزءًا من روحها. وجواد السلايطة ليس مجرد اسم في خبر عاجل، وشهداء الكرك ليسوا مجرد أرقام في سجل الحوادث؛ إنهم أبناء هذا الوطن الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لأمنه واستقراره.

لسنا بحاجة إلى أن ننتظر فاجعة جديدة حتى نفتح ملف العقوبات، ولسنا بحاجة إلى دمعة أم أخرى حتى ندرك خطورة الإرهاب. حان وقت التشريع والمراجعة والمحاسبة، وحان وقت أن تصل الرسالة بوضوح لكل من يفكر باستهداف الأردن وأهله: أمن الوطن خط أحمر، ودماء أبنائه ليست مباحة.

رحم الله شهداء الأردن، وحمى رجال أمنه، وربط على قلوب أمهات الشهداء وعائلاتهم.
فكم من أم يجب أن تبكي، وكم من بيت يجب أن ينكسر، حتى يصبح الردع أولوية لا تقبل التأجيل؟


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى