كيف نجفف منابع التطرف في الفضاء العام والرقمي؟

التاج الإخباري -

تسعة شهداء ارتقوا في الهجوم الإرهابي على كنيسة حمود في محافظة الكرك. كان ذلك كفيلا بأن يترك جرحا غائرا في وجدان الأردنيين، وأن يحول مشهد جنازة، يفترض بأن تكون لحظة وداع إلى فاجعة تختلط فيها مشاعر الحزن بالصدمة.

فالرصاص الذي أطلق على مشيعين في الكنيسة، اعتداء لم يستهدف أرواحا فحسب، بل مس شعور الأردنيين بالأمان، وأعاد إلى الواجهة أسئلة ثقيلة حول الأفكار المتطرفة، وكيف يمكن أن تتحول من قناعات مشوهة إلى عنف يهدد المجتمع.
لم تكن الفاجعة مجرد حادثة أمنية عابرة، بل جرس إنذار يفرض إعادة النظر في أدوات مواجهة التطرف، والبحث في تجفيف منابعه قبل أن تجد أفكاره طريقها إلى العقول والسلوك.
وعقب الحادثة، جاءت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، لتفتح الباب أمام نقاش يتجاوز الاستجابة الأمنية إلى مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ بالوقاية الفكرية، وتمتد إلى دور المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية بحماية المجتمع من خطاب الكراهية والتجنيد والتعبئة.
جاءت التوجيهات الملكية بعد ترؤس جلالة الملك في 24 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، اجتماعا لمجلس الأمن القومي، وجه خلاله الحكومة والمؤسسات المعنية لمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، وتكثيف الجهود لتجفيف منابعه، ضمن خطة منهجية بالتنسيق مع المرجعيات الدينية.

الباحث بمركز بحوث العولمة والإرهاب سعود الشرفات، يرى أن مراجعة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والعنف والإرهاب، يجب أن تنطلق من تقييم التجربة السابقة وتحديث أدواتها بما يتناسب مع المستجدات.

وقال الشرفات، إن الإستراتيجية قامت على تشاركية بين مؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات إنفاذ القانون والمجتمع المدني والجامعات ومراكز الدراسات، وشملت الجوانب الأمنية والوقائية.
وأضاف أن مرور سنوات على إعداد الإستراتيجية، يستدعي إدخال ملفات جديدة، من بينها الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة، إلى جانب تطوير آليات المتابعة والتقييم والتغذية الراجعة، بما يضمن استمرار فاعليتها وعدم تركها من دون مراجعة.
ولفت الشرفات، إلى دور منصات التواصل الاجتماعي المتزايد بنشر الدعاية المتطرفة، والاستقطاب والتجنيد والتمويل، مؤكدا أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاونا بين المؤسسات الأمنية والإعلامية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني.
تجديد الإستراتيجيات
من جهته، أكد عضو مجلس الأعيان محمود جمعة، أهمية تجديد الإستراتيجيات بصورة مستمرة، محذرا من أن الأفكار المتطرفة قد تتراجع لفترات قبل عودتها للظهور.
واستذكر جمعة، تجربته بتأسيس مركز السلم المجتمعي خلال فترة انتشار فكر تنظيم "داعش" الإرهابي، مشيرا إلى أن العمل قام على التعاون بين جهات أمنية ودينية مختصة، والحوار مع شباب تبنوا أفكارا متطرفة، والاستعانة بمتخصصين في الشريعة والفقه لمناقشة تلك الأفكار وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
وشدد على أن الوقاية من التطرف، لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب دورا متكاملا لوزارات التربية والتعليم والثقافة والأوقاف، والإعلام والمؤسسات المعنية بالشباب، بالتوعية المستدامة واللقاءات المجتمعية، لافتا إلى أهمية التركيز على منع وقوع الأحداث بدلا من الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها.
الثقافة والوقاية الفكرية

خبيرة التربية الإعلامية راية يعقوب، ترى أن تحديث الإستراتيجية يتطلب مواكبة التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي والرقمي منذ العام 2016، وينتقل من تعدد المبادرات لتكامل الجهود بين المؤسسات.
وأكدت يعقوب أهمية تعزيز التنسيق المؤسسي بتحديد الأدوار وتبادل المعلومات ووضع مؤشرات لقياس أثر البرامج، وتطوير أدوات الرصد والاستجابة الإعلامية لمواكبة انتشار المحتوى المتطرف عبر الفيديوهات القصيرة والتضليل الرقمي والاستثارة العاطفية.
وشددت على أن التربية الإعلامية، تمثل خط دفاع وقائيا أساسيا، عبر تمكين الجمهور من التحقق من المصادر، وكشف التلاعب بالمعلومات، والتمييز بين الاختلاف في الرأي والتحريض على الكراهية والعنف. ولفتت إلى أن نجاح الإستراتيجية لا يقاس بعدد البرامج المنفذة، بل بمدى تكاملها وقدرتها على الوقاية من التطرف قبل تحوله إلى سلوك أو تهديد.
وأكدت يعقوب، أن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على كشف خطاب الكراهية والتضليل، بل تشمل تجنب إعادة نشرهما وتوسيع دائرة تأثيرهما، حتى من دون قصد. وشددت على ضرورة التعامل المهني مع المواد التحريضية، بشرح مضمونها وسياقها بالقدر الضروري، والتحقق من المعلومات، وتجنب منح الخطابات المتطرفة منابر إضافية للانتشار.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى