جريمة فرد ومسؤولية قادمة للمجتمع والدولة
عياش تكتب: خلف جرح الحمود نسيج وطني يشتد تماسكا
التاج الإخباري -
بقلم: رنا عياش.آثرت أن أؤجل كلامي إلى ما بعد انتهاء بيت العزاء في قرية الحمود، عقب أحداث الجمعة الحزينة التي فجعت قلوب الأردنيين جميعا.
وعلينا اليوم أن ننظر إلى المشهد بعينين واسعتين، رغم أن الدموع قد أغرورقت بهما، وأن الحزن أثقل قلوبنا جميعا.
صحيح أن ما حدث كان صادما وغير متوقع، وأن الاعتداء على كنيسة وأبرياء أثناء تشييع جنازة أمر مؤلم وغير مسبوق في فداحته، لكن الجميع يدركون أن هذا تصرف إجرامي شاذ، تبرأ منه القريب والغريب، ورفضته المرجعيات الدينية والشعبية والسياسية.
وفي مواجهة هذه الفاجعة، اشتد النسيج الوطني تماسكا؛ فكانت عقلانية أهل الشهداء، وقدرتهم على استيعاب الصدمة، تقابلها موجة من الرفض الشعبي والإدانة، في مشهد عبر عن أصالة هذا المجتمع ووعيه.
ومع وقع الصدمة، جاءت زيارة جلالة الملك إلى المستشفى ليكون بين الأهالي، رافضا أن ينوب عنه أحد في هذا الموقف الإنساني. أراد أن يرى بعينيه، وأن يواسي بيديه، وأن يؤكد أن ملاحقة الجناة ومحاسبتهم مسؤولية لن يتهاون فيها.
ثم جاء الناس من كل مدينة وقرية، مسلمين ومسيحيين، لتقديم واجب العزاء، بل فتحت بيوت عزاء كثيرة، وكأن الجميع يعزي بعضه بعضا. فهذا مأتم الوطن، وهذا نزيفه، والمصاب مصابنا جميعا.
هناك ملاحظات كثيرة تستحق الدراسة من أهل الاختصاص، أمنيا واجتماعيا، وعلينا أن نبحث عن أسباب الخلل، وأن نعالج كل ما قد يمس أمن هذا الوطن، وحرية العبادة فيه، وسلامة نسيجه المجتمعي. فالإدانة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتبعها مراجعة جادة تمنع تكرار مثل هذه الجريمة.
وأقولها بصدق: إننا نعيش معا، مسلمين ومسيحيين، في محبة وتآلف. ولتكن هذه الحادثة الإجرامية نقطة فاصلة لا تتكرر، ولتكن عبرة نتعلم منها، لا جرحا يتسع مع الأيام. لقد تبرأ من هذه الجريمة كل إنسان يرفض الظلم والاعتداء، وكان هذا التعاطف الشعبي الصادق، وهذا الألم المشترك، بلسما لجرح عميق أصاب الوطن كله.
لقد ولدت وترعرعت في مدينة الزرقاء، حيث تتجاور الكنائس والمساجد، وحيث جمعتنا الأحياء والمدارس الحكومية والخاصة، والشوارع والأسواق. كبرنا معا، أطفالا وشبابا وكبارا، نتشارك الحياة، ونتقاسم الأفراح والأحزان، ونتعاون ونتحابب. لم تفرقنا اختلافاتنا، ولن تفرقنا اليوم جريمة ارتكبها فرد.
نعم، قد تحدث الخروقات، وقد نكتشف جوانب من القصور تستوجب المعالجة، لكن مسؤوليتنا أن نواجهها بعقلانية، وأن نحمي مجتمعنا من كل ما يهدد وحدته وأمنه.
الوطن يحتاج منا دائما إلى الصبر والتكاتف، والوقوف صفا واحدا تحت ظل هذا العرش، وبثقة في مؤسساتنا وأجهزتنا الأمنية، مع الحرص على معالجة أسباب الخلل بكل جدية ومسؤولية.
لنتطلع إلى الغد، من دون أن ننسى ما حدث، ومن دون أن نسمح للماضي بأن يقيد خطواتنا أو يزرع الفرقة بيننا.
رحم الله الضحايا، وألهم أهلهم الصبر والسلوان، وحمى الأردن وأهله من كل شر.
@إشارة
الرجاء الانتظار ...