أوروبا تنتفض .. شيفرة الاحتجاجات العابرة للحدود تزداد تعقيداً
التاج الإخباري -
من باريس إلى برشلونة، مرورًا بروما وبروكسل ولشبونة، تشهد أوروبا موجة احتجاجات تتباين أسبابها بين غلاء المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة والغضب من السياسات الحكومية، لكنها تتقاطع في شعور متزايد بأن المؤسسات السياسية لم تعد تستجيب لمطالب المواطنين.في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحوَّلت احتجاجات في فرنسا إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب، قبل أن تتجدد التعبئة في 24 أكتوبر/تشرين الأول، بمشاركة نحو 410 آلاف متظاهر، وفق تقديرات الحكومة، مقابل 550 ألفًا في الأسبوع السابق.
وبينما تراجعت حدة المواجهات نسبيًّا في بعض المدن الفرنسية، انتقلت المشاهد الأكثر عنفًا إلى برشلونة الإسبانية.
ورغم اختلاف السياقات الوطنية، تطرح هذه الموجة سؤالًا يتجاوز حدود كل دولة: هل تواجه أوروبا سلسلة أزمات محلية متزامنة، أو أنَّ القارة تشهد ولادة حركة احتجاجية عابرة للحدود؟
عالمة الاجتماع الإيطالية دوناتيلا ديلا بورتا تحاول الإجابة عن هذا السؤال، مستندة إلى خبرتها الطويلة في دراسة الحركات الاجتماعية والاحتجاجات الجماعية.
غضب متعدد الأسباب.. ومطالب متشابهة
ترى ديلا بورتا، أستاذة العلوم السياسية في المدرسة العليا للأساتذة بفلورنسا ومديرة مركز "كوزموس" لأبحاث الحركات الاجتماعية، في حوار مع "ليبراسيون" أن تفسير الاحتجاجات الأوروبية باعتبارها حركة واحدة يتجاهل اختلاف جذورها.
ففي إيطاليا، تستند التعبئة الحالية إلى حركات طلابية وعمالية اكتسبت زخمًا خلال المظاهرات المناهضة للحرب في غزة والإضرابات العامة التي شهدتها البلاد في أواخر صيف 2025 وبداية خريفه.
أما في إسبانيا، فتعود جذور الاحتجاجات إلى معارك اجتماعية قديمة ضد عمليات الإخلاء وارتفاع تكاليف السكن، وهي قضايا كانت حاضرة بقوة خلال حركة الاحتجاج على سياسات التقشف عام 2011.
وفي ألبانيا، تتداخل مطالب تحسين ظروف الدراسة ومكافحة الفساد مع الاعتراض على استغلال الموارد الطبيعية لمصلحة استثمارات سياحية فاخرة، بينما تستحضر الاحتجاجات الفرنسية إرث حركة "السترات الصفراء"، خصوصًا في انتقاد التعامل الأمني مع المتظاهرين.
ورغم هذه الاختلافات، تحدد الخبيرة ثلاثة عوامل مشتركة: اتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الاستثمار في الخدمات العامة مقابل زيادة الإنفاق العسكري، وتصاعد المخاوف من النزعات السلطوية داخل أوروبا.
وتعتبر أن ترديد شعار "كلنا مناهضون للفاشية" في احتجاجات بلدان مختلفة يعكس انتقال الرموز والخطابات بين الحركات، حتى عندما تختلف مطالبها المباشرة.
لماذا انفجر الغضب الآن؟
لا ترى ديلا بورتا أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يكفي وحده لتفسير توقيت الاحتجاجات.
وتقول في حوارها مع "ليبراسيون" إن "السخط لا يكفي لإطلاق عمل جماعي"، موضحة أنَّ أيّ حركة تحتاج إلى شبكات تنظيمية وخبرات متراكمة من احتجاجات سابقة، فضلًا عن أحداث قادرة على تحويل الغضب الفردي إلى تعبئة جماعية.
في إسبانيا، تحوَّلت قضية ماريا ديل كارمن أباسكال، المتقاعدة البالغة 87 عامًا، إلى رمز لأزمة السكن، بعدما قاومت إخلاءها من شقة عاشت فيها أكثر من سبعين عامًا، قبل نقلها إلى المستشفى ووفاتها في 7 أكتوبر/تشرين الأول، بحسب "تايم فرنسا".
كما أسهمت احتجاجات فرنسا التي بدأت داخل إحدى المدارس الثانوية في توسيع حركة الاعتراض على نقص تمويل التعليم العام.
وتشرح الخبيرة أن نجاح التحركات الأولى يشجع فئات أخرى على المشاركة، إذ يبدأ المتظاهرون في النظر إلى النزول إلى الشارع باعتباره واجبًا جماعيًّا وفرصة للمشاركة في حدث تاريخي، وليس مجرد مخاطرة شخصية.
وتضيف أن احتجاجات اليوم تختلف عن موجة 2008 في بروز قضيتين جديدتين: استمرار آثار الاستعمار داخل المجتمعات الأوروبية، والخوف المتزايد من الحروب.
فالجيل الشاب، بحسب تحليلها، لم يعد ينظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه مشروعًا للسلام فقط، بل يخشى أن يجد نفسه مدفوعًا إلى حروب لا يؤمن بها، في وقت تعجز فيه الأحزاب التقليدية عن تمثيل مطالبه.
القمع.. هل يطفئ الاحتجاجات أو يوسعها؟
تضع ديلا بورتا طريقة تعامل الحكومات مع الاحتجاجات في قلب تفسيرها لاحتمالات التصعيد.
فحين يُنظر إلى القمع باعتباره عشوائيًّا وظالمًا، قد يؤدي إلى تعزيز التضامن بين المحتجين، وتوسيع دائرة المشاركة بدلًا من تفكيك الحركة.
وتستشهد الخبيرة بانتفاضات تشيلي عام 2019 والربيع العربي عام 2011، موضحة أن نجاح الاحتجاجات يتوقف أيضًا على قدرتها على بناء تحالفات مع النقابات والأحزاب والمنظمات الاجتماعية.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحذيرات مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا الأيرلندي مايكل أوفلاهيرتي، الذي دعا الحكومات إلى احترام الحق في التظاهر وتغليب خفض التصعيد.
وأكد أن تدخل الشرطة لمنع النهب والشغب مشروع، لكن استخدام القوة وتقييد الحرية يجب أنْ يخضعا لمعايير صارمة.
الحكومات بين التنازل والتشدد
تواجه الحكومات الأوروبية معضلة متشابهة: كيف تحافظ على الأمن من دون تحويل الإجراءات الأمنية نفسها إلى سبب إضافي للاحتجاج؟
وتختلف الاستجابات السياسية باختلاف الدول. ففي إسبانيا، قدَّمت حكومة بيدرو سانشيز مشروعَي قانون عاجلَين لحماية المستأجرين، لكن رفض البرلمان لهما أسهم في زيادة غضب الناشطين، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني.
وفي البرتغال، أعلن وزير الشؤون البرلمانية كارلوس أبرو أموريم في 16 أكتوبر/تشرين الأول أنَّ الحكومة لن تخضع لضغط الشارع، قبل أن يتبنى لهجة أكثر مرونة بعد خمسة أيام، معترفًا بالصعوبات التي يواجهها المواطنون.
أما في صربيا، فقد انتقلت الحركة الطلابية المناهضة للفساد إلى العمل الانتخابي، بإعلان تقديم مرشحين في الانتخابات التشريعية التي جرت أمس 25 أكتوبر/تشرين الأول، في مواجهة الحزب التقدمي الصربي الحاكم منذ عام 2012، واستطاعت الفوز بها.
أوروبا تستعد لجولة جديدة
لا تشير المؤشرات التي أوردتها التقارير الأوروبية إلى انتهاء موجة الاحتجاجات، ففي فرنسا، دعت نقابة "سود إديكاسيون (SUD éducation)" إلى تحركات جديدة في 31 أكتوبر/تشرين الأول، فيما تستعد نقابات كبرى لتنظيم مظاهرات لاحقة.
وفي إيطاليا، يخطط طلاب لإضراب وطني في 30 أكتوبر،/تشرين الأول بينما دعا الاتحاد العام الإيطالي للعمل إلى إضراب عام في 20 نوفمبر/تشرين الثاني.
وتستعد إسبانيا لإضراب عام في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، وسط اتصالات نقابية قد توسع نطاق التعبئة، كما أُعلنت دعوات للتظاهر في ألمانيا 31 أكتوبر/تشرين الأول، وهي البلد الأوروبي الذي بقي حتى الآن بعيدة نسبيًّا عن موجة الاضطرابات.
لكن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بموعد المظاهرة المقبلة، بل بقدرة الحكومات على معالجة الأسباب التي تدفع المحتجين إلى الشوارع.
فبحسب قراءة ديلا بورتا، لا تنبع الاحتجاجات من أزمة واحدة يمكن احتواؤها بقرار اقتصادي أو أمني، وإنما من تراكم شعور بالظلم الاجتماعي وتراجع الثقة في المؤسسات والخوف من مستقبل أكثر اضطرابًا.
ومن هنا، يبدو أن أوروبا أمام اختبار سياسي واجتماعي يتجاوز السيطرة على الشوارع: إمّا استعادة الثقة عبر الاستجابة للمطالب، وإمّا مواجهة حركات احتجاجية تتعلم من بعضها وتتبادل أدوات التعبئة عبر الحدود، حتى إن ظلت جذورها محلية.
الرجاء الانتظار ...