220 ألف مليلتر من الدم .. الأردنيون يتسابقون لإنقاذ مصابي هجوم كنيسة الكرك
التاج الإخباري -
في مشهد جسّد التضامن الوطني والتكافل الإنساني، تدافع أردنيون من مختلف محافظات المملكة إلى مستشفى الكرك الحكومي ومستشفى الأمير علي العسكري للتبرع بالدم، عقب الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك، وأسفر عن استشهاد 9 أشخاص وإصابة آخرين.وخلال الساعات الأولى التي أعقبت الجريمة، توافد المواطنون إلى المستشفيين للاطمئنان على المصابين، قبل أن يعلموا بحاجتهم إلى وحدات الدم، لا سيما من الزمر النادرة، لتبدأ النداءات عبر منصات التواصل الاجتماعي والاتصالات الهاتفية، وسط استجابة واسعة امتدت من الكرك إلى مختلف محافظات المملكة.
وبحسب البيانات الواردة، بلغ مجموع وحدات الدم التي جُمعت في المستشفيين خلال الساعات الأولى 629 وحدة خلال 24 ساعة، منها 397 وحدة في مستشفى الكرك الحكومي و232 وحدة في مستشفى الأمير علي العسكري، فيما بلغت كمية الدم التي تبرع بها الأردنيون 220 ألفا و150 مليلترا، وفقا لما أعلنه ضابط ارتباط الأزمات ورئيس قسم الشؤون الفنية في مديرية صحة محافظة الكرك، الدكتور عربي أبو قديري.
وقال أبو قديري إن توافد الأردنيين من مختلف المحافظات للتبرع بالدم ليس أمرا مستغربا، مشيرا إلى أن ساحات المستشفى وأقسامه شهدت ازدحاما كبيرا بالمتبرعين الذين سارعوا إلى تقديم المساعدة للمصابين.
وأوضح أن مستشفى الكرك الحكومي استقبل 186 وحدة دم خلال الساعات الست الأولى، بمعدل 31 وحدة في الساعة، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 700 وحدة قبل شروق شمس اليوم التالي، وفق الأرقام الأولية التي أوردها التقرير.
وأضاف أن عدد وحدات الدم التي جُمعت خلال أول 24 ساعة بلغ 397 وحدة في مستشفى الكرك الحكومي، بمعدل يقارب 17 وحدة في الساعة، و232 وحدة في مستشفى الأمير علي العسكري، ليصل الإجمالي إلى 629 وحدة، بمعدل نحو 27 وحدة في الساعة، في حين احتاج المصابون إلى نحو 30 وحدة دم.
وأشار أبو قديري إلى أن وحدة الدم الواحدة تعادل 350 مليلترا، موضحا أن الوحدات المتبرع بها تخضع لفحوصات محددة قبل إجازتها للاستخدام، فيما يجري التعامل مع الحالات الطارئة باستخدام مخزون المستشفيات من الدم المفحوص والآمن والجاهز لنقله إلى المرضى والمصابين.
وشهد المستشفيان وصول حافلات تقل متبرعين من السلط والطفيلة وجرش ومحافظات أخرى، فيما امتدت حملات التبرع إلى مختلف مناطق المملكة وبنوك الدم الرسمية. وجرى تخصيص وحدات للمصابين، مع الاحتفاظ ببقية الوحدات لاستخدامها عند الحاجة.
"هذا أقل ما يمكن تقديمه لأبناء الوطن"
ورصدت مشاهد من الكرك توافد المواطنين إلى المستشفيات منذ اللحظات الأولى للهجوم، ومن بينهم شادي المدادحة، المعروف بأبي مداح، الذي كان من أوائل الواصلين إلى مستشفى الكرك الحكومي برفقة ابنه البالغ من العمر 20 عاما، حيث تبرعا بالدم.
وقال أبو مداح إنه توجه إلى محيط المنطقة التي يسكنها في مدينة الكرك فور سماعه بالحادثة، محاولا معرفة مكان وقوع الهجوم، قبل أن يعلم أنه استهدف قرية حمود القريبة من المدينة.
وأضاف أنه توجه إلى القرية وشاهد حجم الصدمة، ثم عاد إلى مستشفى الكرك الحكومي، حيث علم بحاجة المصابين إلى الدم، فبدأ بإطلاق النداءات، ليتوافد المواطنون بأعداد كبيرة، حتى اكتفى المستشفى من الوحدات، قبل أن ينتقل مع آخرين إلى مستشفى الأمير علي العسكري للتبرع.
وأشار إلى أن الكوادر الطبية أبلغت المتبرعين بأنها ستتواصل معهم إذا دعت الحاجة إلى وحدات إضافية، إلا أنهم بقوا في المستشفى حتى الصباح.
وأكد أبو مداح أن التبرع بالدم أقل ما يمكن تقديمه لأردنيين تعرضوا للغدر داخل مكان عبادتهم، مشددا على أن أبناء الوطن يتألمون لما يصيب أي فرد منهم، وأن ما حدث في الكرك شكل صدمة وكارثة بكل المقاييس.
الخلايلة: هبة الأردنيين تؤكد وحدة الدم والمصير
من جهته، قال رئيس جمعية سند للفكر الشبابي سلطان الخلايلة إن ما شهدته الكرك يمثل جرحا كبيرا في خاصرة الوطن، مؤكدا أن الأردنيين اعتادوا الخروج من الأزمات أكثر تماسكا، وأن جريمة كنيسة حمود كشفت مجددا عن تضامنهم واستعدادهم لبذل ما يستطيعون من أجل الإنسان والوطن.
وأضاف أن تدافع المواطنين للتبرع بالدم في الكرك ومختلف المدن الأردنية يعكس استعدادهم لمساندة أي أردني يتعرض للأذى، مشيرا إلى أن هذه الحوادث ترفع مستويات التكاتف المجتمعي، وتشكل اختبارا جديدا لقدرة الأردنيين على تجاوز المحن بالتضامن والتلاحم.
ولفت الخلايلة إلى أن التبرع بالدم في اللحظات الأولى كان مهما لتمكين الكوادر الطبية من تقديم أقصى ما لديها لإنقاذ المصابين، موضحا أن المتبرعين شملوا مختلف فئات المجتمع، من طلبة الجامعات والعسكريين والمدنيين، ومن مناطق المملكة كافة، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.
وأشار إلى أن التبرع بالدم يمثل ممارسة مستمرة لدى الأردنيين حتى في الظروف الطبيعية، إذ تنظم حملات على مدار العام وتحتفظ بنوك الدم بمخزون لتلبية احتياجات المرضى والطوارئ، معتبرا أن ما حدث في الكرك يحمل رسالة تؤكد قيمة التضامن الإنساني والوطني.
الصرايرة: التبرع بالدم يجسد المواطنة بمعناها الإنساني
بدوره، قال الباحث في معهد السياسة والمجتمع المهندس حسين الصرايرة إن إقبال الأردنيين على التبرع بالدم عقب الهجوم لا يقتصر على كونه استجابة إنسانية عاجلة، بل يعكس عمقا في بنية المجتمع الأردني، تتقدم فيه قيمة الإنسان على الاختلافات الدينية والاجتماعية.
وأوضح أن اللحظات التي تكون فيها الحياة مهددة تجعل الأولوية لحاجة المصاب إلى فرصة جديدة للحياة، بعيدا عن هويته أو معتقده، وهو ما يجسد المواطنة في معناها الإنساني الأعمق.
وأضاف الصرايرة أن الدم، إلى جانب وظيفته الطبية، يحمل دلالة رمزية تتصل بالحياة والتضامن، إذ يقدم المتبرع جزءا من جسده لمساعدة إنسان آخر على النجاة. وفي مجتمع متنوع كالمجتمع الأردني، تكتسب هذه المبادرة معنى إضافيا بوصفها تعبيرا عن وحدة المصير والمسؤولية المشتركة.
وأشار إلى أن مشهد التبرع بالدم في الكرك يذكّر بأن التماسك الوطني ليس مجرد خطاب يقال في المناسبات، بل شبكة من العلاقات والاستعدادات المتبادلة تظهر بوضوح عندما يتعرض المجتمع للأزمات. فالتضامن، بحسب الصرايرة، يقاس بما يقدمه الناس لبعضهم، وبقدرتهم على تحويل ألم الفرد أو الأسرة إلى مسؤولية يشعر بها المجتمع بأسره.
وأكد أن التماسك المجتمعي يمثل أحد مقومات المنعة الوطنية، ويساعد المجتمع على مواجهة الأزمات دون السماح لها بتفكيك روابطه أو تحويل الاختلافات إلى أسباب للعداء.
ولفت إلى أن التبرع بالدم يصعب اختزاله بالأرقام والإجراءات، لأن المتبرع يقدم فرصة للحياة لشخص قد لا يعرفه، في صورة تعكس التعاطف والمسؤولية وتقلص المسافة بين الغريب والقريب.
وختم الصرايرة بالقول إن ما شهدته الكرك يذكّر بأن الأوطان تُبنى أيضا بما يمنحه أبناؤها بعضهم لبعض من حياة وأمل وثقة، مضيفا أن اختلاف الأديان والمعتقدات لا يغير حقيقة أن الدم لا يحمل بطاقة هوية، وأن الحياة لا تسأل عن دين من ينقذها.
الرجاء الانتظار ...