حكاية مدرسة أردنية تتعلم مع اليابان .. كيف تصنع قادة صغارا؟

التاج الإخباري -

في كل مدرسة طفل ينتظر منحه فرصة، ليقف أمام زملائه ليقول رأيه بصوت واثق، وليتصدر صفه ليوم واحد، وكأنه قائد صغير، وليرى معلموه يلتفتون إليه وليقول له أحد منهم: هذه المهمة لك.

هذه الفرصة بالذات، هي ما جاء صحفيون يمثلون وسائل إعلام وصحف أردنية ومن ضمنهم إلى مدرسة نديم الملاح الأساسية للبنين، ليروها عن قرب. وقد دعاهم للزيارة سفير اليابان في الأردن أساري هيديكي، ليشاهدوا كيف يتحول الصف لمساحة يتعلم فيها الطفل التحدث بثقة، ويتحمل المسؤولية، ويعمل مع زملائه كفريق واحد.
حملت الجولة التي استمرت من التاسعة صباحا حتى الثانية ظهرا، عنوانا يلخص الحكاية؛ "التعلم خارج إطار الفصل الدراسي: القيادة والمسؤولية لدى الطلبة عبر أنشطة مدرسية مدعومة من اليابان".
مثل هذه الجولات، تنظمها السفارة اليابانية، لتفتح للصحافة المحلية بابا مباشرا إلى مواقع مشاريع التعاون الإنمائي الياباني، ولتتيح لها التقاء أناس يصنعون النجاح في كل موقع.
تبدأ الحكاية من سؤال بسيط وكبير في آن واحد؛ كيف نجعل كل طفل يشعر بالاحترام والثقة والحافز للتعلم؟ فقد كان نظام التعليم في الأردن، يحمل مسؤوليات كبيرة، من استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين منذ الأزمة السورية العام 2011، إلى إعادة الأطفال لحياة المدرسة بعد إغلاقات كوفيد - 19، وهنا انطلق مشروع "تعزيز بيئة تعليمية إيجابية لطلبة المدارس (PLEAC)" منذ نهاية العام 2021، ليغدو ثمرة شراكة بين وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا).

وعبر نحو 37 مدرسة تجريبية في منطقة الوسط، درب المشروع معلمين ومديرين ومشرفين، ووضع إجراءات تشغيلية موحدة للمدارس ومديريات التربية، ورسم طريقا لتعميم التجربة في المملكة، التي تحمل في قلبها فكرة يابانية اسمها "توكاتسو"، وهي النموذج الياباني للتعليم الشامل، الذي يرى أن المدرسة تبني الإنسان كما تبني المعرفة.
جاء دمج هذه المنهجية في المدارس الأردنية، بطلب من جلالة الملك عبدالله الثاني، فصارت شأنا وطنيا يتقاسمه الأردن واليابان معا، وليست مجرد مشروع ممول. أما المشهد الذي يختصرها كفكرة، فهو طالب يحمل لقب "قائد اليوم"؛ ففي المدارس التي تطبق التجربة، ينال كل طالب دورا فاعلا، ويجد نفسه مسؤولا عن صفه ومن حوله. إذ يقف أمام زملائه فيتحدث، ويبادر، ويصغي لما يقوله غيره. وما يبدو مهمة صغيرة، يصبح تدريبا هادئا على الثقة بالنفس وحس المسؤولية وروح المبادرة، واحترام الآراء المختلفة.
ولا تتوقف المسؤولية عند حدود الصف. ففي "أنشطة النظافة"، يعتني الطلبة بصفوفهم ومدرستهم بأيديهم، فيزداد وعيهم بأهمية النظافة والسلامة، وينمو شعورهم بالانتماء إلى مكان هم شركاء في رعايته. ومن العمل المشترك، يولد التعاون وروح الفريق، ويتحسن السلوك اليومي. ولعل أجمل ما يحدث هنا، أن المعلمين يكتشفون جوانب جديدة من شخصيات طلابهم، لا تظهر عادة في الحصص الدراسية.
وداخل الصف أيضا، تلمس المشروع لمسات هادئة؛ فقد تعلم المعلمون أسلوب "بانشو" لتنظيم الكتابة على السبورة، لتحمل السبورة التعلم السابق والأسئلة الرئيسة وإجابات الطلبة ثم ملخص الدرس، بتسلسل يسهل متابعته. وتصبح الأسئلة المخطط لها، مفتاحا لتفكير الطلبة ومشاركتهم.

ومع الوقت، يتحول دفتر الطالب لرفيق يدون فيه ما تعلمه ويتأمله، ويتقن العمل الفردي والثنائي والجماعي. وفي البيت، يجد أولياء الأمور في هذا الدفتر، نافذة يطلون منها على ما يتعلمه أبناؤهم، فيدعمونهم بما يناسب.
وقد وصلت هذه الممارسات في سنوات المشروع لأكثر من 300 معلم ومعلمة، وعشرات من المديرين والمشرفين، ونحو 16 ألف طالب بحسب التقديرات، في 9 مديريات للتربية والتعليم في منطقة الوسط. هذا النجاح دفع وزارة التربية للانتقال بالتجربة من التجريب إلى التع ميم.
فمنذ العام الماضي، تقود "التربية" خطة توسع في موازنتها الخاصة، تمتد حتى العام 2028، لتشمل المديريات الـ18 في إقليم الوسط، مع قيادة الوزارة للتدريب والتوجيه والحصص المفتوحة. إذ تتطلع المرحلة الثانية من المشروع من 2027 لـ2031، إلى أبعد من ذلك، حتى يتعلم كل طفل في بيئة مدرسية آمنة وشاملة وتشاركية، تعزز نموه الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي.
وستمتد التجربة من الصفوف الأولى، إلى صف الروضة الأول وحتى الصف التاسع، ومن منطقة الوسط إلى كل المملكة. وبهذا تنتقل الفكرة من مشروع تجريبي تدعمه جايكا إلى مبادرة إصلاح تعليمي وطنية مستدامة، تقودها وزارة التربية والتعليم.

ولعل ما تريد السفارة أن يراه الناس هو؛ أن المساعدة الإنمائية ليست أرقاما في تقرير، بل طالب يتحدث بثقة أمام زملائه، ومعلم يكتشف في طلابه ما لم يره من قبل، وأم تفتح دفتر ابنها فتقرأ فيه رحلة تعلمه.
وهذا بالضبط ما تسعى السفارة إلى إبرازه وحشد الدعم له، لتبقى التجارب الناجحة وتتسع.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى