الكركي لـ"التاج": نحو 2.5 مليون شخص يعاني من اضطرابات نفسية في الأردن

التاج الإخباري -

لينا الناصر

الكركي لـ"التاج": الصحة النفسية حق لكل أردني.. وطلب المساعدة ليس ضعفًا

أكدت مديرة مركز الملكة رانيا العبد الله للدراسات التربوية والنفسية في جامعة مؤتة، الدكتورة وجدان الكركي، أن الصحة النفسية حظيت باهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني وأنها جزء لا يتجزأ من الصحة العامة، وحق لكل مواطن، مشيرة إلى أن الاهتمام بها يرتبط باستقرار الفرد والأسرة وتماسك المجتمع وجودة الحياة.

وقالت الكركي في تصريح لـ"التاج الإخباري"، الأربعاء، إن بناء مجتمع قوي ومتماسك يبدأ بالاهتمام بصحة الإنسان الجسدية والنفسية، موضحة أن الصحة النفسية ترتبط بالاستقرار النفسي والاجتماعي والانفعالي، والشعور بالأمان والقبول والانتماء، وتعزيز الثقة بالنفس والاستقرار الانفعالي والدافعية نحو الإنجاز، إلى جانب بناء علاقات اجتماعية إيجابية.

وأشارت إلى أن تقديرات خبراء الطب النفسي في الأردن لعام 2026 تفيد بوجود نحو 2.5 مليون شخص من المرضى والمراجعين الذين يعانون من اضطرابات نفسية في المملكة، أي ما يعادل شخصًا من بين كل أربعة أو خمسة أشخاص، لافتة إلى أن هذه النسبة تتماشى مع المعدلات والإحصاءات العالمية التي تعلنها منظمة الصحة العالمية، الأمر الذي يتطلب تحديث خدمات الصحة النفسية وتطويرها لتصبح أكثر شمولية وكفاءة.

وبينت الكركي أن الضغوط النفسية قد تسهم في تفاقم الاضطرابات النفسية والأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي، المعروفة بالأمراض "السيكوسوماتية" والتي أصبحت من أمراض العصر الشائعة، ومنها ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والسرطان والقولون العصبي وقرحة المعدة، موضحة أن الضغوط النفسية قد تفعّل الاستعدادات الوراثية لهذه الأمراض.

وأضافت أن رعاية الصحة النفسية تسهم في التخفيف من الاضطرابات النفسية والأمراض "السيكوسوماتية"، وتعزيز رفاهية الفرد والمجتمع، وخفض تكاليف العلاج، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.

البطالة والضغوط المعيشية والأكاديمية

وفيما يتعلق بالتحديات النفسية التي تواجه المجتمع الأردني، أوضحت الكركي أن الشباب يواجهون ضغوطًا مرتبطة بصعوبة إيجاد فرص العمل والبطالة وعدم الاستقرار الوظيفي، ما يعيق تكوين الأسرة ويؤخر سن الزواج، ويؤثر في الاستقرار المادي والعاطفي لدى الجنسين، وقد يولّد مشاعر العجز والفراغ العاطفي.

وأضافت أن ارتفاع تكاليف السكن والالتزامات المالية يشكل ضغطًا مستمرًا، لا سيما على الأسر محدودة الدخل، وقد يؤدي إلى خلافات أسرية تنعكس آثارها على الزوجين والأطفال، وتتسبب في اضطرابات نفسية لديهم.

وأشارت إلى أن الضغوط الأكاديمية التي يتعرض لها طلبة المدارس والجامعات تمثل أحد أسباب الاضطرابات النفسية، خصوصًا عندما لا تراعي المناهج الفروق الفردية والذكاءات المتعددة، ولا تستجيب لاحتياجات الأطفال والشباب القيمية والأخلاقية، أو لا تؤهلهم لسوق العمل، ما يسهم في تفاقم البطالة وما يترتب عليها من آثار سلبية.

ولفتت إلى أن التفاعل الإنساني مع الأحداث الإقليمية والأزمات والحروب المحيطة قد يعزز مشاعر الحزن والعجز، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم أقارب يعيشون في مناطق متأثرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى القلق والتوتر وانعكاساتهما على الصحة النفسية.

الوصمة الاجتماعية وكلفة العلاج من أبرز العوائق

وأكدت الكركي أن اللجوء إلى المساعدة النفسية والإرشاد والعلاج النفسي يواجه مجموعة من المعيقات، أبرزها ضعف الوعي بأهمية التشخيص والعلاج المبكر، والخوف من الاعتراف بوجود مشكلة نفسية، والاعتقاد بأن طلب المساعدة دليل على الضعف أو المرض.

وبينت أن بعض الأسر تحاول إخفاء المشكلات النفسية أو الاكتفاء بالنصائح العامة خشية نظرة المجتمع وتأثير ذلك في السمعة وفرص الزواج والعمل، مشددة على أن الاضطرابات النفسية أمراض يمكن تشخيصها وعلاجها بأساليب علمية، شأنها شأن الأمراض الجسدية.

وأوضحت أن عدم إدراك أهمية الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي يمثل تحديًا آخر، إذ قد يتطلب التعامل مع الاضطرابات النفسية تغيير الأفكار، وتحسين البيئة المحيطة، وتعزيز مفهوم الذات، والتعامل مع الخبرات الصادمة، إلى جانب مواجهة كلفة جلسات العلاج النفسي الخاص والأدوية، التي قد تحرم كثيرين من الحصول على المساعدة.

إدماج الصحة النفسية في المدارس والجامعات

ودعت الكركي عبر "التاج" إلى تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية والحد من الوصمة الاجتماعية من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وإدماج موضوع الصحة النفسية في مقررات المدارس والجامعات، وتدريب المعلمين والمرشدين على اكتشاف العلامات المبكرة للاضطرابات النفسية وإحالة الحالات إلى المختصين المؤهلين.

كما أكدت أهمية تنظيم لقاءات توعوية وندوات ومحاضرات في المراكز الصحية والجامعات والمدارس والمراكز الشبابية والجمعيات، وترسيخ التعامل مع العلاج النفسي باعتباره جزءًا من الرعاية الصحية العامة، بعيدًا عن الوصم أو السخرية أو تصوير المرض النفسي على أنه عيب أو مصدر خطر.

وشددت على ضرورة رفد المؤسسات والدوائر الحكومية والجامعات والمدارس والشركات والمصانع بمرشدين ومختصين نفسيين لمتابعة الطلبة والموظفين، والتعامل مع الضغوط النفسية، ومتابعة الحالات التي تستدعي التشخيص والعلاج المبكر.

وأشارت إلى أن طلب المساعدة النفسية دليل على النضج والفهم، وليس ضعفًا، موضحة أن المرور بضيق نفسي لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، فقد يحتاج الإنسان إلى الدعم والمساندة لتحسين حالته. وأضافت أن العلاج النفسي لا يقتصر على الأدوية، بل يشمل العلاج بالكلام وتغيير المعتقدات وتعديل أنماط السلوك والدعم الأسري والاجتماعي، إلى جانب الأدوية عند الحاجة.

برنامج وطني للصحة النفسية بتمويل مستدام

وأكدت الكركي ضرورة ترجمة الاهتمام الملكي بالصحة النفسية إلى أثر ملموس، من خلال جعلها أولوية وطنية ذات تمويل مستدام يتيح الوصول إلى الخدمات النفسية للجميع، وينعكس على حياة المواطنين في المدارس وأماكن العمل والمجتمع.

ودعت إلى إطلاق برنامج وطني تنفيذي للصحة النفسية برعاية ملكية، وبالتعاون بين وزارات الصحة والتربية والتعليم والتنمية الاجتماعية والعمل والجامعات والمدارس والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما يشمل جميع محافظات المملكة.

كما دعت إلى توسيع الخدمات النفسية في المراكز الصحية والمستشفيات، لتوفير التقييم النفسي الأولي والتدخلات العلاجية المناسبة والمتابعة والإحالة إلى الاختصاصيين، إلى جانب زيادة الكوادر المؤهلة وتحسين توافر الأدوية والعلاج النفسي.

وأكدت أهمية تعزيز الإرشاد النفسي في المدارس والجامعات من خلال زيادة أعداد المرشدين والأخصائيين، وإنشاء برامج للوقاية من التنمر والعنف والضغط الدراسي، ودعم الأسر التي تواجه صعوبات في التربية ومتابعة تعليم الأطفال والتعامل مع الاضطرابات النفسية والسلوكية.

وشددت على ضرورة إطلاق حملة وطنية مستمرة لمناهضة الوصمة الاجتماعية، وبناء شبكة للدعم النفسي المجتمعي، وتوفير خطوط ساخنة للحالات التي تحتاج إلى المساعدة، وتدريب العاملين المؤهلين على الإسعاف النفسي، وتطوير برامج دعم المرضى تحت إشراف مختصين، مع إجراء تقييمات شهرية وسنوية للبرامج وتعديلها وفق المعايير العالمية المعتمدة.

وقالت الكركي لـ"التاج" إن الصحة النفسية في الأردن مسؤولية وطنية واجتماعية مشتركة، ترتبط باستقرار الأسرة وتماسك المجتمع وقدرة الأفراد على مواجهة التحديات وتحقيق طموحاتهم، مؤكدة أن توفير خدمات نفسية ميسرة وعالية الجودة وتعزيز الوعي بأهمية طلب المساعدة دون خوف أو خجل يسهمان في بناء مجتمع قوي ومتماسك يجعل صحة الإنسان أساسًا للتنمية والازدهار.

وجاءت تصريحات الكركي في سياق الاهتمام بملف الصحة النفسية، بعد أن بحث جلالة الملك عبدالله الثاني، سبل تعزيز التعاون بين الأردن وأستراليا في هذا المجال، خلال لقائه ممثلين عن مؤسسات حكومية ومنظمات غير ربحية أسترالية تعمل في الصحة النفسية.

وتناول اللقاء الاستفادة من التجربة الأسترالية في تقديم خدمات الصحة النفسية، وتطوير شراكة استراتيجية بين البلدين لتبادل الخبرات وتنفيذ برامج مشتركة للتدريب والتأهيل. وأكد جلالة الملك حرص الأردن على تطوير خدمات الصحة النفسية وتعزيز منظومة الدعم النفسي والاجتماعي، مشيرًا إلى استضافة المملكة للاجئين وتوفير الخدمات الصحية والإنسانية لهم، فضلًا عن الجهود الطبية والإنسانية المبذولة في مناطق النزاع




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى