مجالس أمناء الجامعات .. هل نُدير المستقبل بأدوات الماضي؟
التاج الإخباري -
بقلم: د. عبد السلام المعلا، رئيس معهدي أمريكا الشمالية التقني واللغوي، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية
أثارت التشكيلات الجديدة لمجالس أمناء الجامعات الأردنية نقاشاً مشروعاً يتجاوز الأسماء إلى سؤال أكثر أهمية: ما الفلسفة التي تحكم اختيار من يقود أعلى مظلة حوكمة في جامعاتنا؟ فهذه التعيينات تأتي في وقت يمر فيه التعليم العالي بتحولات غير مسبوقة بفعل الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وبطالة الخريجين، والتخصصات المشبعة، والبحث التطبيقي، وريادة الأعمال، والتنافس العالمي على المعرفة والمواهب.
الاعتراض هنا ليس على الأشخاص ولا على تاريخهم وخبراتهم، بل على فكرة أن الخبرة السياسية والإدارية المتراكمة وحدها تكفي لقيادة جامعة المستقبل. فالجامعة اليوم تحتاج من يفهم التكنولوجيا، والابتكار، والاستثمار، والصناعات، وسوق العمل العالمي، ويستطيع أن يحول الجامعة من مؤسسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تنتج المعرفة المتجددة وفرص العمل وتنعش الاقتصاد.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، أظهرا باستمرار حرصاً واضحاً على الحفاظ على مؤسسات الدولة وتطويرها، وعلى أن يكون التعليم العام والعالي جزءاً أساسياً من مشروع التحديث. والرسالة الملكية في أكثر من مناسبة كانت واضحة في الدعوة إلى تعليم أكثر جودة، وجامعات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المحلي والإقليمي ولعالمي، وتمكين الشباب، وتسريع التحول الرقمي، والاستعداد للذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات المستقبل. والمسؤولية اليوم هي ترجمة هذه الرؤية إلى حوكمة حديثة وقيادات مستقبلية الفكر وبحث علمي منتج ومسارات تقود الشباب إلى الابتكار والعمل والمنافسة عالمياً.
وإذا كانت الحكومات تتحدث عن تمكين الشباب وتجديد القيادات، فمن حق الناس أن تسأل: أين يظهر ذلك عندما نصل إلى مواقع صناعة القرار؟ تمكين الشباب لا يعني اختيار شخص لأنه شاب، كما أن احترام الخبرة لا يعني أن تصبح المواقع العليا حكراً على جيل واحد أو أسماء متداولة تاريخياً. المطلوب هو الكفاءة والتجديد والمنافسة والشفافية.
والقول إن رئاسة مجلس الأمناء "منصب شرفي" لا ينهي النقاش. فإذا كان المجلس بلا تأثير، فلماذا نحتاجه؟ أما إذا كان جهة حوكمة، فمسؤوليته كبيرة في التوجه الاستراتيجي للجامعة، ومراقبة الأداء، والمساءلة، واختيار الأولويات، وتعزيز العلاقة مع القطاع الخاص وأركان الاقتصاد. ولذلك يجب أن نسأل عند كل تعيين: ما معايير الاختيار؟ لماذا كان هذا الشخص الأفضل؟ ومن نافسه؟ وما مؤشرات الأداء التي سيحاسب عليها المجلس بعد أربع سنوات؟
هل سترتفع نسبة توظيف الخريجين؟ هل ستتراجع التخصصات المشبعة؟ هل ستتحول الأبحاث إلى منتجات وبراءات وشركات ناشئة؟ هل ستدخل استثمارات جديدة إلى الجامعات؟ وهل ستصبح الشراكة مع القطاع الصناعي جزءاً من التعليم نفسه؟
ومن المفيد أن ننظر إلى التجارب الدولية من زاوية اختيار القيادات. ففي عينة من الجامعات الإماراتية الرسمية بلغ متوسط أعمار رؤساء مجالس الأمناء نحو 54 عاماً، مقابل نحو 75 عاماً في الجامعات الأردنية الرسمية. والقضية هنا ليست العمر بحد ذاته، بل ما إذا كانت القيادة المختارة قادرة على فهم الجامعة التي يعاد تشكيلها اليوم بفعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي وال ecosystems.
والأردن لا يعاني نقصاً في الكفاءات. لدينا داخل الوطن وخارجه علماء وأكاديميون ورجال ونساء أعمال وخبراء تكنولوجيا وذكاء اصطناعي ومبتكرون وقيادات تعمل في مؤسسات عالمية مرموقة. فالسؤال هنا هو: لماذا لا نرى تمثيلاً أوسع لهذه الكفاءات في أعلى مواقع حوكمة جامعاتنا؟
لسنا بحاجة إلى صراع بين الأجيال، بل إلى تجديد ذكي. الخبرة يمكن أن تبقى مرشداً ومستشاراً ومرجعاً، لكن مواقع القرار يجب أن تبقى مفتوحة للكفاءة والتنافس والتغيير. فإذا كنا نريد جامعة تُعدّ شباب الأردن للمستقبل، فمن الطبيعي أن تعكس حوكمتها هي أيضاً روح ذلك المستقبل.
الرجاء الانتظار ...