تضليل ممنهج .. قصة لقاء قديم يُستخدم لإثارة الفتنة
همام الفريحات
أثار تداول صور ومقاطع فيديو تجمع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية، اللواء يوسف الحنيطي، بنظيره الإسرائيلي هرتسي هاليفي، موجة من التأويلات والاتهامات التي جانبت الصواب وقرأت الحدث خارج سياقه الزمني والبروتوكولي، وكأنها كشفٌ لمعلومات سرية، رغم أن الواقع يثبت خلاف ذلك.
أولاً: الطبيعة البروتوكولية والمكانية للقاءات
إن هذه اللقاءات تندرج ضمن الأطر "البروتوكولية" المعتادة التي لم يسعَ الأردن لإخفائها يوماً. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى ملمح سيادي ثابت؛ وهو أن كافة اللقاءات الرسمية منذ اتفاقية "وادي عربة" عام 1994 تتم إما على الأراضي الأردنية أو في المناطق الحدودية، حيث يبادر المسؤولون الإسرائيليون بالقدوم إلى المملكة، ولم تسجل زيارة لمسؤول أردني رفيع إلى الجانب الآخر، وهو ما يفسر مصطلح "موسم الحج إلى الأردن" المتداول في الإعلام العبري، تعبيراً عن اضطرار المسؤولين الإسرائيليين لزيارة عمان لترميم العلاقات المتدهورة.
ثانياً: التوقيت والسياق الزمني
تشير الدلائل المادية إلى أن لقاء اللواء الحنيطي بهاليفي قديم ويعود لفترة بداية تسلم الأخير لمهامه في يناير 2023؛ بدليل أن المشاهد تظهر المقر "المؤقت" السابق للقيادة العامة للقوات المسلحة، والذي تم إخلاؤه نهاية عام 2023 قبل الانتقال للمقر الدائم الجديد مطلع عام 2024. وقد شهدت تلك الفترة (2021-2023) نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً لترميم العلاقات؛ شمل زيارات من مختلف الأطياف السياسية الإسرائيلية:
فترة تحالف الوسط واليسار: زيارات كل من (نفتالي بينيت، منصور عباس، بيني غانتس، يائير لابيد، وإسحاق هرتسوغ).
فترة حكومة اليمين: زيارة بنيامين نتنياهو في يناير 2023، وهي الفترة التي يُرجح فيها لقاء رئيسي الأركان، حيث قَدّم الجانب الإسرائيلي حينها "خنجر جندي أردني" استشهد في حرب 1967 كبادرة رمزية لمحاولة تهدئة التوتر.
ثالثاً: غايات التنسيق والموقف الأردني الثابت
لم ينكر الأردن هذه اللقاءات التي كان بعضها سرياً بطلب إسرائيلي (مثل زيارة بينيت في 2023). وتتركز غايات هذه الاجتماعات العسكرية حول:
* التنسيق الأمني وضبط الحدود.
* تسهيل عمل المستشفيات الميدانية العسكرية الأردنية.
* تأمين وصول المساعدات الإنسانية للأشقاء في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومع اندلاع الحرب على غزة (2023-2025)، انهارت كافة محاولات ترميم العلاقات، وعادت إلى مربع التوتر الذي ساد عام 2019 إبان محاولات ضم الغور، والتي جوبهت حينها بتلميحات عسكرية أردنية صريحة عبر تمرين "سيوف الكرامة".
رابعاً: التساؤلات حول التوقيت والأهداف
إن الموقف الأردني الحالي يتسم بالصلابة؛ وهو ما تجلى مؤخراً في رفض جلالة الملك عبدالله الثاني طلباً لعقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، نظراً لعدم تقديم إجابات مقنعة حول قضايا الوضع القائم في القدس، ومستقبل الدولة الفلسطينية، وملف المياه.
أمام هذا الوضوح في الموقف الرسمي، يبرز تساؤل جوهري حول الأهداف الكامنة وراء إعادة نشر أطراف إقليمية (كالإعلام الإيراني) لصور قديمة ومعلنة في هذا التوقيت الحساس. فإذا كان اللقاء قديماً وبروتوكولياً ولم يتضمن أي تنازل عن الثوابت الوطنية، فإن إثارته لا تعدو كونها محاولة للتشويش على المواقف الأردنية الراسخة تجاه القضية الفلسطينية.
الرجاء الانتظار ...