تفكير الطلبة بإنهاء حياتهم قضية مجتمعية "مؤلمة" .. من يُعلّق الجرس ؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.استشاري نفسي لـ "التاج" : إنهاء الحياة ليس حلًا .. وطلب المساعدة النفسية لا يُعد ضعفًا بل خطوة نحو التعافي
استشاري نفسي لـ "التاج" : الاضطرابات النفسية ترتبط بتغيرات كيميائية في الدماغ مثبتة علميًا ويمكن علاجها
قال استشاري الطب النفسي والإدمان د. عبد الرحمن مزهر إن قضية لجوء طلبة المدارس والجامعات إلى التفكير في إنهاء حياتهم تُعد من القضايا المؤلمة في المجتمع، مشددًا على أن مجرد تفكير الطلبة في هذا الاتجاه يستدعي وقفة جادة ومسؤولة، لفهم الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة والعمل على معالجتها والحد من تداعياتها.
وأوضح مزهر خلال حديثه لـ "التاج الإخباري" أن هناك مجموعة من الأسباب النفسية التي قد تقود إلى ذلك، من أبرزها الاكتئاب والقلق المزمن، إضافة إلى اضطرابات التكيف مع المراحل الجديدة التي يمر بها الطلبة، مثل الانتقال من مدرسة إلى أخرى أو من المدرسة إلى الجامعة، وما يرافق ذلك من تحديات وضغوط جديدة.
كما أشار إلى أن تدني تقدير الذات، والشعور بعدم القيمة، والعزلة الاجتماعية، وفقدان الدعم النفسي، تعد من العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على الحالة النفسية للطلبة.
وأضاف أن الضغوط الأسرية والتفكك العائلي، والمشكلات بين الوالدين، والإهمال العاطفي، وغياب الحوار والتفاهم داخل المنزل، إلى جانب العنف الأسري سواء كان جسديًا أو نفسيًا، تشكل بيئة ضاغطة قد تدفع بعض الطلبة إلى الدخول في أزمات نفسية حادة، فضلًا عن وجود أسباب اجتماعية واقتصادية تسهم في تفاقم هذه الحالة.
وبيّن مزهر أن الظروف الاقتصادية الصعبة، مثل الفقر وتردي الأوضاع المعيشية، تلعب دورًا مهمًا في زيادة الضغوط على الطلبة، إلى جانب انتشار ظاهرة التنمر في المدارس والجامعات، والتي تؤثر سلبًا على الصحة النفسية. كما أشار إلى ضعف خدمات الإرشاد والدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية، مؤكدًا أن هذا الضعف يحدّ من قدرة الطلبة على الحصول على المساندة اللازمة.
كما نوه إلى "الوصمة الاجتماعية" المرتبطة بمراجعة مختصي الصحة النفسية، والتي تمنع الكثيرين من طلب المساعدة في الوقت المناسب، وأشار كذلك إلى أن المنافسة العالية على المنح والقروض الدراسية تشكل ضغطًا إضافيًا على الطلبة وأسرهم، في ظل سعيهم لتحقيق التفوق وتأمين فرص تعليمية أفضل، ما يزيد من مستويات التوتر والقلق لديهم.
المحتوى السلبي على منصات التواصل الاجتماعي يدعم مشاعر الإحباط والقلق
على صعيد متصل، تحدث مزهر عن تأثير التكنولوجيا، موضحًا أن جميع الطلبة تقريبًا يستخدمونها في الوقت الحالي، الأمر الذي أدى إلى انتشار ظاهرة الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضاف أن بعض الطلبة قد يتعرضون عبر هذه المنصات لمحتويات تتماشى مع حالتهم النفسية السلبية، مثل المحتوى الذي يعزز مشاعر اليأس أو الإحباط، أو يتناول موضوعات مرتبطة بإنهاء الحياة، إلى جانب ما تفرضه هذه الوسائل من مقارنات مستمرة وسلبية مع الآخرين، ما ينعكس سلبًا على تقدير الذات.
وأكد أن هناك عوامل خطر أخرى لا تقل أهمية، من بينها وجود تاريخ عائلي مرتبط بمثل هذه الحالات، وتعاطي المخدرات الذي يشهد انتشارًا ملحوظًا، إضافة إلى التعرض لصدمات نفسية سابقة، والشعور بالوحدة وغياب الأشخاص الداعمين في حياة الفرد، وهي جميعها عوامل قد تزيد من حدة الأزمات النفسية لدى الطلبة.
إشارات تحذيرية تستدعي الانتباه
وفي هذا الصدد، نوه مزهر إلى إن هناك إشارات تحذيرية تستدعي الانتباه، مشددًا على ضرورة أن يكون المجتمع على دراية بها، لما لها من أهمية في رصدها مبكرًا لدى الأفراد، خاصة ضمن محيط الأسرة أو الأصدقاء.
وأوضح أن من أبرز هذه العلامات التغيرات المزاجية الحادة، والإهمال المفاجئ للمظهر أو الدراسة، إضافة إلى البحث عبر الإنترنت عن وسائل إيذاء النفس أو الاستفسار عنها، والانسحاب المفاجئ من الأنشطة التي كانت محببة، إلى جانب التحدث عن الموت أو إبداء الرغبة فيه أو فقدان الاهتمام بالحياة.
وأكد أن هناك مجموعة من الخطوات التي يمكن من خلالها تقديم المساعدة، من أبرزها تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية، وتوفير مرشدين نفسيين مؤهلين في المدارس والجامعات، إلى جانب فتح قنوات حوار آمنة بين المعلمين والطلبة بعيدًا عن الخوف أو الضغوط.
وأضاف مزهر أن تدريب المعلمين يعد عنصرًا أساسيًا في اكتشاف العلامات المبكرة للاضطرابات النفسية أو الأفكار المرتبطة بإيذاء النفس، مشيرًا إلى أهمية إنشاء خطوط ساخنة للدعم النفسي الطارئ، وإشراك الأسر في برامج التوعية والتثقيف.
وختم مزهر حديثه بالتأكيد على أن إنهاء الحياة ليس حلًا، بل هو انعكاس لمعاناة عميقة يمكن علاجها في حال توفر الدعم المجتمعي والمؤسسي الكافي، مشددًا على أن طلب المساعدة النفسية لا يُعد ضعفًا، بل خطوة ضرورية نحو التعافي.
وبيّن أن أي شخص قد يمر بحالات من القلق أو الاكتئاب أو الضغوط النفسية، وقد تراوده أفكار سلبية، وهي حالات مرضية قابلة للعلاج، ولا ترتبط بضعف الشخصية كما يُشاع.
وأشار إلى أن الاضطرابات النفسية ترتبط بتغيرات كيميائية في الدماغ مثبتة علميًا، ويمكن علاجها، ما يمكّن المصاب من التعافي والعودة إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي ونشط.
الرجاء الانتظار ...