من مدينة بروج إلى العالم .. قصة أول يانصيب رسمي في أوروبا
التاج الإخباري -
في الرابع والعشرين من فبراير عام 1466، شهدت مدينة بروج البلجيكية أول يانصيب مسجل رسميًا في القارة الأوروبية، في حدث لم يكن مجرد سحب عادي، بل حمل أبعادًا إنسانية واجتماعية واضحة. وقد نظمته أرملة الرسام الشهير يان فان إيك، أحد أبرز مؤسسي المدرسة الهولندية المبكرة في الرسم، إحياءً للذكرى الخامسة والعشرين لوفاته.تميّز هذا اليانصيب بطابعه الإنساني، إذ أتاح لكل فرد فرصة شراء تذكرة والمشاركة في الفوز بجوائز نقدية، بينما خُصصت جميع عائداته لدعم فقراء المدينة وتحسين أوضاعهم المعيشية. ولم تقتصر أهمية هذه التجربة على نجاحها المباشر، بل شكلت نقطة تحول في تاريخ العمل الخيري والتمويل الاجتماعي في أوروبا.
وبفضل النجاح الكبير الذي حققه هذا اليانصيب، تكررت عمليات السحب في بلجيكا، حيث تمكنت المجتمعات المحلية من جمع تبرعات ساهمت في تشييد العديد من المنشآت الحيوية، بما في ذلك دور العبادة وملاجئ الإيواء، إلى جانب تطوير البنية التحتية عبر بناء قنوات المياه وتجهيز مرافق الموانئ التي عززت الحركة التجارية.
ومع انتشار فكرة اليانصيب، بدأت المدن المجاورة في استلهام هذه التجربة. ففي هولندا، وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1441 و1500، تم تنظيم نحو 62 عملية يانصيب في مدينة بروج وحدها، قبل أن تمتد هذه الممارسة إلى مدن أخرى وتتحول إلى ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار. وخصصت عائدات هذه اليانصيب لتمويل مشاريع عامة، مثل تدعيم أسوار المدن وتعزيز قدراتها الدفاعية، وبناء المستشفيات والكنائس ودور العجزة.
ورغم أن أوروبا شهدت أول يانصيب رسمي مسجل في القرن الخامس عشر، فإن جذور هذه الفكرة تعود إلى عصور أقدم. ففي الأساطير اليونانية القديمة، كان المحاربون يسحبون قطعًا حجرية من خوذة ذهبية لتحديد من سيواجه البطل هيكتور في مبارزة مصيرية، في ممارسة تشبه مفهوم اليانصيب.
وفي الصين، خلال عهد أسرة هان عام 100 قبل الميلاد، تم تنظيم يانصيب عرف باسم "كينو"، استُخدمت عائداته في تمويل بناء سور الصين العظيم. أما في الإمبراطورية الرومانية، فقد استخدم يوليوس قيصر عائدات اليانصيب لإصلاح الطرق والجسور، كما نظم يانصيب مجاني للفقراء، حصل المشاركون فيه على جوائز نقدية عبر ما عُرف بـ"أوراق الحظ"، التي تعد أول نموذج لتذكرة اليانصيب.
ومع تطور المجتمعات الأوروبية، ظهرت أشكال جديدة من اليانصيب. ففي جنوة الإيطالية خلال القرن الخامس عشر، استُخدم نظام مشابه لاختيار أعضاء الهيئة الحكومية المحلية عبر سحب الأسماء من جرة. وفي فرنسا، أصدر الملك فرانسوا الأول مراسيم ملكية بين عامي 1520 و1532 لإنشاء يانصيب رسمي بهدف دعم خزينة الدولة، وانتشرت هذه الممارسة في مدن كبرى مثل باريس وليون وستراسبورغ وبوردو وليل.
وفي إنجلترا، أسست الملكة إليزابيث الأولى أول يانصيب حكومي إنجليزي في منتصف القرن السادس عشر، حيث قدم جوائز نقدية ومكافآت عينية، واستمرت هذه السحوبات لأكثر من قرنين، وأسهمت عائداتها في تمويل مشاريع كبرى، من بينها بناء المتحف البريطاني.
كما شهدت النمسا أول سحب رسمي لليانصيب في 21 أكتوبر عام 1752، في عهد الإمبراطورة ماريا تيريزا، ولا يزال قائمًا حتى اليوم. وفي إيطاليا، برز يانصيب "دي لوتو دي فيرينزي" الذي أقيم في فلورنسا عام 1530، وحقق نجاحًا واسعًا دفع مدنًا أخرى إلى تبني هذه الممارسة.
وعبر المحيط الأطلسي، استخدمت الولايات المتحدة عائدات اليانصيب لتمويل مشاريع حيوية، من بناء المدارس والمكتبات والمستشفيات إلى دعم جامعات مثل هارفارد وبرينستون وكولومبيا. كما قاد بنجامين فرانكلين حملة لجمع التبرعات عبر اليانصيب لشراء أسلحة للدفاع عن فيلادلفيا، وأنشأ جورج واشنطن يانصيبًا لتمويل بناء الطرق في فرجينيا عام 1768.
وفي أستراليا، أقيم أول يانصيب في سيدني عام 1880، قبل أن يتحول إلى نشاط حكومي منظم عام 1916 لدعم المشاريع الخيرية. أما في روسيا، فقد ظهرت أول مبادرة في عهد بطرس الأكبر، ثم أعيد إحياء الفكرة لاحقًا، وخصصت عائداتها لدعم الجيش ومساعدة الفقراء، فيما نظمت الإمبراطورة ألكسندرا عام 1914 يانصيبًا لدعم ضحايا الحرب العالمية الأولى، جمع نحو ثلاثة ملايين روبل.
وتؤكد هذه الوقائع أن اليانصيب لم يكن مجرد وسيلة للربح، بل أداة لعبت دورًا مهمًا في تمويل المشاريع العامة ودعم المجتمعات، وشكلت جزءًا من تطور الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية عبر التاريخ.
الرجاء الانتظار ...