هل يحاسب القانون الأردني المواطنين على انتقاد المسؤولين؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.بعد خطاب العرش .. خبير قانوني يوضح لـ "التاج" متى يتحول الرأي من حق دستوري إلى مخالفة قانونية؟
"إن التداول بالشأن العام حق مشروع لكم يصونه الدستور ويحميه، فصدر هذا الوطن وصدرنا رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول، ومن أحب الأردن حفظ له جميل العطاء وكرامة الكلمة وأدب الاختلاف".
بهذه الكلمات، رسم جلالة الملك عبدالله الثاني خلال خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة، ملامح واضحة لمفهوم حرية التعبير والتداول في الشأن العام، مؤكداً أن الاختلاف في الرأي حق مشروع وأن مساحة النقاش الوطني تتسع لكل رأي مخلص ومسؤول.
ولم يكن حديث جلالته مجرد تأكيد على حق دستوري مكفول، بل أعاد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية، وعلى الحدود الفاصلة بين ممارسة الحق في إبداء الرأي والتعدي على حقوق الآخرين وكرامتهم وخصوصيتهم.
فما الذي يتيحه الدستور للمواطن عند مناقشة الشأن العام؟ وأين تنتهي حرية النقد والاعتراض، لتبدأ المسؤولية القانونية؟ وما المعايير التي تفصل بين الرأي المشروع والتجاوز الذي يستوجب المساءلة؟
وفي قراءة قانونية لهذه الرسائل، أوضح أستاذ القانون الدستوري د. ليث نصراوين أن حديث جلالة الملك في خطاب العرش يؤكد أن التداول بالشأن العام حق دستوري أصيل، وأن المواطن شريك في مناقشة قضايا وطنه، وله الحق في نقد السياسات والقرارات العامة وتقييم أداء المسؤولين وإبداء التأييد أو الاعتراض واقتراح البدائل، حتى وإن خالف رأيه الموقف الرسمي أو الرأي السائد.
وأشار نصراوين خلال حديثه لـ "التاج الإخباري" إلى أن هذا الحق تكفله المادة (15) من الدستور، وتتكامل معها المادة (17) التي تتيح للأردنيين مخاطبة السلطات العامة بشأن أمورهم الشخصية والشؤون العامة، وفق الكيفية والشروط التي يحددها القانون، ما يعني أن المشاركة في الشأن العام لا تقتصر على إبداء الرأي، بل تمتد إلى إيصال المطالب والملاحظات والشكاوى إلى الجهات المعنية.
وفي تحديد الخط الفاصل بين المسموح والممنوع، بيّن نصراوين أن المعيار يرتبط بطبيعة التعبير ومضمونه، فنقد قرار مسؤول أو تقييم كفاءته في إدارة المرفق العام يندرج ضمن النقاش المشروع، في حين أن انتهاك خصوصيته أو ارتكاب أفعال الذم والقدح والتحقير بحقه يخرج عن إطار ممارسة الحق في التعبير.
وأضاف أن الاعتراض على موقف سياسي أو اجتماعي يظل حقاً مكفولاً، لكنه لا يبرر التهديد أو التحريض على العنف والكراهية أو إثارة النعرات الطائفية والعنصرية، مشدداً على أن مجرد كون الكلام مزعجاً أو مخالفاً للتوجه العام لا يجعله محظوراً، إذ إن المساءلة القانونية تستلزم تحقق أركان الجريمة، المادي منها والمعنوي.
وفي سياق متصل، لفت نصراوين إلى أن تنظيم حرية الرأي والتعبير، وفقاً لما تؤكده المادة (15) من الدستور بربط ممارستها بحدود القانون، لا ينتقص من هذا الحق، بل يحدد نطاقه ومسؤوليات ممارسته، بما يضمن حماية حقوق الآخرين وكرامتهم وخصوصيتهم، ويحافظ على وحدة المجتمع وسلمه الاجتماعي.
وأوضح أن ذلك يستدعي تحقيق التوازن بين الحقوق الدستورية الفردية، وفي مقدمتها حرية التعبير عن الرأي، والحقوق الجماعية المرتبطة بالحفاظ على السلم المجتمعي وكفالة الطمأنينة للمواطنين، وهو ما يتصل بما نصت عليه المادة (6/2) من الدستور بشأن الحفاظ على السلم الاجتماعي باعتباره واجباً مقدساً.
وبين حرية الرأي والمسؤولية القانونية، تبدو الرسالة الملكية واضحة في تأكيد أن الاختلاف ليس موضع خلاف، وأن النقد لا يفقد مشروعيته لمجرد مخالفته للمواقف السائدة، ما دام قائماً على التعبير المسؤول واحترام حقوق الآخرين، فحرية التعبير لا تعني غياب الضوابط، كما أن تنظيمها لا ينبغي أن يحجب مساحة الرأي والنقاش، بل إن جوهر المعادلة يكمن في حماية الحق وصون كرامة الإنسان والحفاظ على تماسك المجتمع.
الرجاء الانتظار ...