الطراونة يكتب: الأردن ليس ساحة للمزايدات، ومؤسسات الدولة ليست موضعًا للاستخفاف
التاج الإخباري -
بقلم: د.علي الطراونةأستاذ ميشيل الصايغ، عندما تصف خطابات الدولة الأردنية بأنها «خطابات فارغة»، وتختزل مواقفها في مجرد كلام، فإنك لا تقدم نقدًا موضوعيًا بقدر ما تطلق حكمًا عامًا يمس أداء مؤسسات وطنية تتحمل مسؤولية حماية الأردن وأمن الأردنيين في ظروف بالغة الحساسية. ومن حقك أن تنتقد، لكن ليس من الإنصاف أن تختصر جهود الدولة وتضحيات أبنائها بعبارة عابرة، وكأن كل ما يُبذل من عمل وتضحيات لا يستحق حتى التوقف عنده.
دعنا نتحدث بوضوح: الأردن ليس دولة بلا مؤسسات، وقيادته ليست غائبة عن مسؤولياتها، وجيشه وأجهزته الأمنية ليسوا عنوانًا للخطابات الفارغة. هذا وطن له تاريخه ومواقفه ومؤسساته، وله رجال ونساء يؤدون واجبهم في ظروف صعبة، ومن حقهم أن يُقيَّم أداؤهم بالوقائع والنتائج، لا بالأوصاف التي تُطلق جزافًا.
أما سؤالك: «ماذا بعد؟»، فالسؤال مشروع، لكن الإجابة لا تكون بإطلاق الأحكام، بل بتحديد المطلوب بوضوح. ماذا تقترح تحديدًا؟ ما الإجراءات التي ترى ضرورة اتخاذها؟ وأين ترى مواضع التقصير، وما الأدلة التي تستند إليها؟ إن كان لديك نقد محدد، فاطرحه بالحجة، وإن كنت ترى خللًا، فسمِّه بوضوح. أما الاكتفاء بوصف الخطابات بأنها فارغة، فلا يصنع حلًا، ولا يكشف حقيقة، ولا يقدم للأردنيين إجابة عن أسئلتهم.
يا أستاذ ميشيل، ليس كل خطاب لا يوافق توقعاتك خطابًا فارغًا، وليس كل إجراء لا يُعلن عنه فورًا دليلًا على غياب العمل. فالقضايا الأمنية لا تُدار وفق إيقاع التصريحات الإعلامية، والتحقيقات لا تُحسم بالانطباعات، والدولة المسؤولة لا تكشف كل تفاصيل عملها قبل أوانها، لكنها تبقى مطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المقصرين وفق القانون.
وإذا كانت هناك نتائج لم تتحقق بعد، فمن حق الأردنيين المطالبة بها، ومن واجب الدولة العمل على تحقيقها. لكن الفرق كبير بين المطالبة الجادة بالمحاسبة وبين إطلاق أوصاف قاسية على مؤسسات الدولة من دون تقديم تقييم موضوعي متكامل. النقد الذي لا يحدد الخلل ولا يقترح طريقًا لمعالجته قد يرفع نبرة السجال، لكنه لا يرفع مستوى الحلول.
ولنكن أكثر وضوحًا: الدولة الأردنية ليست فوق المساءلة، لكنها أيضًا ليست هدفًا مباحًا للتقليل من شأنها أو الانتقاص من جهودها. احترام الدولة لا يعني الصمت عن الخطأ، كما أن انتقادها لا يمنح أحدًا حصانة من المساءلة عن دقة كلامه وعدالة أحكامه. المعيار واحد للجميع: الحقيقة، والدليل، والمسؤولية.
وفي قضية تمس أرواح الأردنيين وأمنهم، وتطال حادثة مؤلمة شهدتها كنيسة وسقط فيها شهداء وأصيب جرحى، فإن الواجب يقتضي خطابًا يرتقي إلى حجم الفاجعة؛ خطابًا يطالب بكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، ومنع تكرار ما حدث، لا أن يحوّل المأساة إلى منصة لإطلاق أحكام عامة على الدولة ومؤسساتها.
إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك، ووقوفه إلى جانب الجرحى وأسر الشهداء، ليست بديلًا عن التحقيق والمحاسبة، لكنها موقف إنساني ووطني له دلالته، ويجب أن تتكامل معه الإجراءات العملية والنتائج الواضحة. وهذه هي المعادلة التي نريدها: قيادة تتحمل مسؤوليتها، ومؤسسات تعمل، وقانون يُطبّق، وحقائق تُكشف، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
أما الجيش العربي والأجهزة الأمنية، فهؤلاء ليسوا مادة للتجريح ولا أرقامًا في سجال سياسي أو إعلامي؛ إنهم أبناء هذا الوطن، يؤدون واجبهم في حمايته، ويستحقون أن يُناقش أداؤهم بإنصاف ومسؤولية. ومن يطالب بتطوير الأداء فليقدم نقدًا محددًا، ومن يطالب بالمحاسبة فليتمسك بالقانون، ومن يسأل «ماذا بعد؟» فليكن مستعدًا لمناقشة الإجابات والوقائع، لا الاكتفاء بالشعارات المضادة.
أستاذ ميشيل، الأردن أكبر من أي تصريح، وأكبر من أي شخص، وأكبر من أن يُختزل تاريخه ومؤسساته وتضحيات أبنائه في عبارة «خطابات فارغة». وإذا كان المقصود من النقد تنبيه الدولة إلى ضرورة العمل، فالأردنيون أول من يطالبون بالعمل والنتائج. أما إذا كان المقصود التقليل من شأن الدولة، فإننا نرفض ذلك بوضوح، لا تعصبًا ولا رفضًا للنقد، بل دفاعًا عن حقائق وطنية لا يجوز تجاهلها.
نحن لا نطالبك بالصمت، ولا نقول إن كل ما تقوم به مؤسسات الدولة كامل لا نقص فيه؛ بل نقول إن النقد المسؤول له أصول، وإن الأحكام الكبيرة تحتاج إلى أدلة كبيرة، وإن مصلحة الأردن تقتضي الإنصاف كما تقتضي الشجاعة في كشف الخطأ. فمن لديه معلومة فليطرحها، ومن لديه دليل فليقدمه، ومن يرى تقصيرًا فليحدده، أما التعميم فلا يغني عن الحقيقة، والعبارات القاسية لا تعوّض غياب الحجة.
الأردن لا يحتاج إلى مجاملة أحد، لكنه لا يقبل أن تُختزل مؤسساته وتضحيات أبنائه في أوصاف عابرة. ومن واجبنا جميعًا أن نطالب الدولة بالإنجاز والمحاسبة، وأن نقف في الوقت نفسه ضد أي خطاب ينتقص من الوطن أو يستخف بمسؤولياته الوطنية.
هذه ليست دعوة لإغلاق باب النقد؛ بل دعوة إلى رفع مستواه. وليست مطالبة بمنح أحد حصانة؛ بل مطالبة بأن يكون الحكم على الجميع بالمعيار ذاته. فالأردن يستحق نقدًا يبني، ومواقف تنصف، وكلمات تتحمل مسؤوليتها.
وأقولها بوضوح: من حقك أن تسأل «ماذا بعد؟»، لكن من حق الأردنيين أيضًا أن يسألوك: ما دليلك على أن ما تقوم به الدولة مجرد خطابات فارغة؟ وما البديل الذي تطرحه؟ وأين الحل الذي تقدمه؟
فالوطن ليس ساحة للمزايدات، وأمن الأردنيين ليس مادة للتعميم، ومؤسسات الدولة ليست فوق النقد، لكنها أكبر من أن تُدان بكلمات مختصرة بلا حجة كافية. وسيبقى الأردن أكبر من الجميع، وستظل مصلحته فوق الأشخاص والتصريحات، وفوق كل سجال لا يقود إلى حقيقة أو إصلاح أو حل.
الرجاء الانتظار ...