كنتُ على بُعد خطوة من طهران… ثم رأيتُها من بعيد

التاج الإخباري -

بقلم: طارق الديلواني.

قبل نحو ربع قرن، كنت على مسافة خطوة من العمل مع قناة محسوبة على خط" الممانعة"، تلك الشاشة التي أراها اليوم تضخ سمومها الإعلامية ضد استقرار بلادي، وتراهن على اختراق الوعي الوطني للخدمة المجانية لمشروع إقليمي.
تقدّمت يومها للاختبار، نجحت، وكان يفترض أن تكون طهران وجهتي المهنية التالية، لكن الحياة كان لها رأي آخر؛ جاءت فرصة الكويت، فذهبت إليها، وبقيت طهران محطة لم تطأها قدماي.
أستعيد ذلك اليوم لأنني أرى إيران من مسافة أكثر من عشرين عاما. يومها كان المشروع التوسعي أقل انكشافًا، ولم تكن طهران قد دفعت بعد فاتورة جنونها بالدم العربي إلى هذا الحد، ولم يكن قاسم سليماني قد بدأ لعبته في ابتلاع بعض العواصم العربية وتحويلها الى أوراقٍ في الجغرافيا الإيرانية.
كنت على شفا مشروع اعلامي حين كان في طور الخطاب؛ ثم رأيته يكبر حتى صار مشروع نفوذ ودم ورواية تكتب بحبر الكذب.
ثم مضت السنوات، وبقيت أراقب من بعيد كيف تحولت القصة من خطاب إعلامي إلى نفوذ، ومن نفوذ إلى ميليشيات، ومن ميليشيات إلى عواصم تُدار من خارجها، وكيف أصبحت الرواية جزءًا من أدوات المشروع لا مجرد انعكاس له.
والذي كاد أن يعمل داخل ماكينة الرواية قبل خمسة وعشرين عاما، ثم أمضى سنوات يراقب ما فعلته تلك الرواية حين تحولت إلى نفوذ، ليس ساذجا إلى الحد الذي يجعله يصدق الدعاية لمجرد أنها صادرة من الجهة التي يريدها البعض أن تنتصر في حرب لا تعنينا.
لكن بعض الأردنيين بلغ مبلغاً من العمى السياسي الى الدرجة التي تدفعه للتعامل مع الدعاية الإيرانية كحقيقة مطلقة، والفيديوهات المفبركة كرأي العين.
أما أنا فأرفض الرواية الإيرانية، ليس لأنها كاذبة ومضللة فحسب، لأن عقلي ليس منطقة نفوذ لأحد.، ولن أستبدل يوما عيوني الأردنية بعين إيرانية لأرى بها المنطقة.
فالذي عرف المشروع قبل أن يشتدّ عوده، ثم شاهده وهو يكبر، ليس مطلوبًا منه اليوم أن ينسى ما رأى كي ينسجم مع مزاج اللحظة.
لذلك، حين أرى اليوم هذا الشغف من قبل البعض في إعادة تدوير الرواية الإيرانية، والتعامل مع مقاطعها وادعاءاتها كأنها حقائق لمجرد أنها تصدر عن يدعي زورا مناصرته للقضية الفلسطينية، أشعر أن المسألة تتجاوز الاختلاف السياسي الى الفجور في الاختلاف على الوطن.
اليوم تعتدي طهران على الأردن، ومع ذلك يعجبني هذا الهدوء الأردني الواثق. كأن ما في السماء ألعاب نارية عابرة.
ليالي السمر الصيفية لم تغادر أماكنها، الشوارع والأسواق على اكتظاظها، وحتى أزمة طبربور تؤدي طقسها اليومي وكأنها جزء من المشهد الوطني.
ليس في الأمر استهتار بالخطر؛ فهي ثقة دولة عركتها الأزمات حتى لم تعد تُدار بانفعالها.
فخلف هذا الهدوء قيادة خبرت قراءة المنطقة؛ وحذّرت قبل ربع قرن من خطر الهلال الإيراني، حين كان بعض الساسة لا يرون فيه إلا شعارا عابرا.
هذه دولة تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، وجيش لا يستمد ثقته من الضجيج؛ جيش طالما أراد أن يقارع نظراءه وأنداده. وجيل أردني كامل تربّى على أن «الأردن أولًا» تعني أن قرارك لا يملى عليك من سفارة، ولا من محور، ولا من بندقية عابرة للحدود.
وربما لهذا تبدو الصورة الأردنية اليوم لافتة إلى هذا الحد المستفز لمن يريدون للأردن أن يسقط.. فعمّان كما هي: مقاهٍ عامرة، وأسواق مزدحمة، وأحاديث المساء مستمرة، وبلد يعرف أن القوة الحقيقية ألا تمنح خصمك شرف تغيير إيقاع حياتك.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى