ازدحامات عمّان تخنق الطرق .. رحلة الـ10 دقائق تمتد إلى ساعة ونصف

التاج الإخباري -

باتت الرحلة داخل العاصمة التي كانت تحتاج إلى 10 أو 15 دقيقة تمتد إلى ساعة، وربما ساعة ونصف في بعض الحالات، وفق تقديرات خبراء في التخطيط الحضري، فيما تواجه المدينة ضغطاً يتجاوز 1.5 مليون مركبة داخل حدودها، يضاف إليها تدفق يومي من المحافظات ومركبات المغتربين والزوار في مواسم الصيف والعُطل.
وتضع الأرقام والردود الرسمية أزمة المرور في عمان أمام صورة مركبة؛ فالازدحام ليس نتاج ارتفاع أعداد السيارات وحده، بل حصيلة تداخل النمو السكاني والتوسع العمراني وتوزيع الأنشطة الاقتصادية، مع تأخر النقل العام عن مواكبة امتداد المدينة، وثبات أجزاء واسعة من الطاقة الاستيعابية للطرق، فضلا عن سلوكيات الوقوف والحركة داخل الشوارع.
وبينما تتجه الجهات الرسمية إلى توسيع النقل الجماعي، وتحسين المداخل والتقاطعات، وإدخال أنظمة ذكية لإدارة الحركة، يرى مختصون أن الحل المستدام يبدأ من ربط استعمالات الأراضي بالنقل، وبناء شبكة تغذية تصل الأحياء بمحاور النقل العام، وإدارة الطلب على المركبة الخاصة، لا الاكتفاء بإضافة مسارب أو إنشاء تقاطعات جديدة.
ضغط مروري يتجاوز حدود المدينة
مدير دائرة عمليات المرور في أمانة عمان الكبرى المهندس شادي الروابدة أرجع الازدحامات إلى عوامل متداخلة، في مقدمتها النمو السكاني والتوسع العمراني ومكانة العاصمة الاقتصادية والسياحية والخدمية، بما يجعلها وجهة للعمل والتعليم والخدمات والاستقرار.
وبحسب الروابدة، تضم عمان أكثر من 4.5 مليون نسمة، وتستحوذ على نحو 70 % من إجمالي المركبات المسجلة في المملكة، فيما يتجاوز عدد المركبات في العاصمة 1.5 مليون مركبة، عدا المركبات القادمة يوميا من المحافظات وتلك التي تدخل خلال مواسم عودة المغتربين والعطل.

وتقدر وزارة الأشغال العامة والإسكان، في ردها على أسئلة "الغد" على لسان الناطق الإعلامي عمر المحارمة، عدد المركبات المتدفقة إلى العاصمة يومياً عبر أكثر من خمسة مداخل ازدحاماً بنحو 200 ألف مركبة خلال فترتي الذروة الصباحية والمسائية، إلا أن الرد لم يتضمن توزيع هذا الرقم على المداخل الخمسة أو تفصيلاً لمنهجية احتسابه.
ووفق المحارمة، يسجل محور عمان- الزرقاء أكثر من 120 ألف مركبة يومياً بالاتجاهين، ويعبر محور عمان-السلط عند صويلح نحو 75 ألف مركبة، فيما يتجاوز حجم الحركة على طريق المطار 190 ألف مركبة بالاتجاهين، شاملاً الحركة القادمة من مادبا والمحافظات الجنوبية والمطار، كما تقدر الوزارة الزيادة السنوية في أسطول المركبات بالمملكة بنحو 80 ألف مركبة جديدة، ما يرفع الضغط تدريجيا على المداخل والمحاور الرئيسة.
ويشير خبير التخطيط العمراني والتنمية ورئيس لجنة التخطيط والتصميم الحضري في نقابة المهندسين المستشار الدكتور خالد المومني إلى أن عدد المركبات المسجلة في المملكة تجاوز 2.4 مليون مركبة، وقد يرتفع صيفاً إلى أكثر من 2.7 مليون مع مركبات المغتربين والزوار.
أزمة تخطيط قبل أن تكون أزمة طرق
يرى المومني أن جذور المشكلة تمتد إلى عقود من التخطيط العمراني الذي تعامل مع النقل العام "باعتباره ملحقا مؤجلا، لا عمودا فقريا للمدينة"، فقد تمددت عمان أفقيا بوتيرة أسرع من تطور شبكات الطرق والنقل، ونمت مناطق جديدة بعيدا عن محاور النقل الجماعي، فتحولت السيارة الخاصة من خيار إلى ضرورة يومية لدى شريحة واسعة من السكان.
ويضيف أن تمركز المولات والأبراج والأنشطة التجارية الكبرى على محاور رئيسة، من دون دراسات أثر مروري كافية، رفع الطلب على طرق محدودة السعة، ولا تقتصر المشكلة على المنشآت الكبرى؛ إذ قد يؤدي الوقوف أمام متجر أو مخبز إلى إغلاق مسار كامل وتحويل الشارع إلى عنق زجاجة، خصوصا عند غياب المواقف والرقابة الفاعلة.

ويتفق أمين سر شعبة الهندسة المعمارية في نقابة المهندسين والمختص بالتصميم الحضري المهندس مازن النابلسي مع تشخيص الخلل التخطيطي، معتبراً أن الأزمة نتاج غياب التخطيط المستمر ووجود قصور نسبي في التخطيط الشمولي، ويقول إن مخطط المدينة يجب ألا يبقى ثابتاً، بل يعاد تقييمه كل 10 أو 15 عاما بما يشمل استعمالات الأراضي والحركة المرورية والشوارع والأنشطة والمناطق الخضراء.
ويحدد النابلسي أسبابا أخرى، من بينها ضعف التدرج بين الطرق الرئيسة والتجميعية والسكنية، وعدم ملاءمة تصميم بعض الشوارع لمتطلبات النمو المستقبلي، وارتفاع كثافة الأنشطة في مناطق تتجاوز قدرتها الاستيعابية، ويرى أن الاعتماد المتكرر على الدواوير والإشارات لا يقدم حلاً دائماً إذا لم يسبقه فهم لطبيعة الشارع واستعمالاته وحجم الحركة عليه.
من جهته، يقول رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث الطرق وفائي أمسيس إن الازدحام يبدأ عندما يتجاوز حجم المرور سعة الطريق، فتتراجع السرعات وصولا إلى التوقف والاختناق، ويربط الأزمة بارتفاع عدد المركبات، وثبات مساحات الشوارع والأنفاق والجسور، وضعف تغطية النقل العام للأحياء، إضافة إلى انتشار مركبات الأجرة والتطبيقات خلال الذروة والبحث عن الركاب، ومشكلات الوقوف أمام المنشآت.
ويرى أمسيس أن تخصيص أجزاء من بعض الشوارع لمسارات الباص سريع التردد زاد الضغط على حركة المركبات، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن جوهر المشكلة يتمثل في غياب شبكة نقل عام واسعة تمنح المواطن بديلا عمليا عن سيارته الخاصة.

تتعامل أمانة عمان مع الازدحام على ثلاثة مستويات، وفق الروابدة. يبدأ المستوى التشغيلي بالمراقبة المستمرة عبر غرفة التحكم المشتركة مع إدارة السير، ومتابعة التقاطعات والإشارات واتخاذ الإجراءات لتخفيف الاختناقات، أما المستوى الهندسي فيشمل الدراسات المرورية وإعادة تنظيم المسارات وتحويل بعض الدواوير إلى إشارات وتنفيذ الجسور والأنفاق استناداً إلى بيانات الحركة والحوادث، ويركز المستوى الإستراتيجي على تطوير النقل العام والبنية التحتية وأنظمة النقل الذكية.
وفي ردها على أسئلة "الغد"، قالت أمانة عمان إن الإشارات الذكية تعدل أوقاتها استنادا إلى أحجام الحركة، فيما يراقب مركز التحكم المحاور الرئيسة لتقليل زمن الاستجابة، وكشفت أنها تتوقع تشغيل نظام للتنبؤ بالازدحامات في مطلع تشرين الأول المقبل، ما يعني أن الإدارة الحالية تعتمد أساسا على الرصد والاستجابة، قبل الانتقال إلى التنبؤ المسبق.
وهذا التفصيل يوضح التباين بين الوضع القائم والخطة المقبلة؛ إذ قال أمسيس إن الذكاء الاصطناعي يستخدم حتى الآن في ضبط المخالفات، وليس في التنبؤ بالاختناقات، بينما تتحدث الأمانة عن نظام مرتقب للتنبؤ، ويبقى الحكم على فاعليته مرتبطا بدقة البيانات، والفترة الزمنية التي يسبق بها الازدحام، وقدرته على تحويل التنبيه إلى تغيير في توقيت الإشارات أو توجيه الحركة أو إدارة الحوادث.
أما وزارة الأشغال فأكدت أنها لا تمتلك نظاما لرصد الازدحامات والتنبؤ بها، وأنها تتعامل مع التدفقات على المداخل الشريانية من زاوية تخطيط قدرة الشبكة واستيعاب المركبات، وتنسق الوزارة مع أمانة عمان وإدارتي السير والدوريات الخارجية ووزارة النقل بشأن الحوادث والإغلاقات والتحويلات وإزالة العوائق ونشر التحذيرات.

تقول وزارة الأشغال إنها أنهت مشروع مدخل عمان-الزرقاء من مجمع المحطة إلى مجمع الزرقاء الجديد بطول 20 كيلومتراً وكلفة تقديرية بلغت 160 مليون دينار، وشملت الأعمال توسعة الطريق إلى ما بين ثلاثة وخمسة مسارب، وتنفيذ 11 تقاطعاً من الجسور والأنفاق، وأربع محطات وسطية ومحطة رئيسة، وفصل مسار حافلات التردد السريع عن حركة المركبات.
وشملت التحسينات المرتبطة بالمشروع تقاطعات المحطة والمسلخ وعين غزال وماركا والحزام والزيتونة والكلية العسكرية، وصولاً إلى تقاطع الزرقاء الرئيسي، بهدف إزالة نقاط الاختناق ورفع القدرة الاستيعابية على أكثر مداخل العاصمة كثافة.
كما نفذت الوزارة - بحسب المحارمة- تحسينات على طريق المطار بكلفة تقديرية بلغت 350 ألف دينار، تضمنت فصل طريق الخدمات وصيانة أجزاء متضررة وتأهيل الجزيرة الوسطية وتحسين مداخل واتجاهات الحركة. وبلغت كلفة التحسينات على مدخل عمان-السلط 1.52 مليون دينار، وشملت تنظيم الجزر وتوسعة الطريق وإنشاء طريق خدمة وصيانة الخلطات وتركيب جسر مشاة، فيما بلغت أعمال مدخل عمان-مادبا الشرقي 4.65 مليون دينار، وتضمنت تحسين المداخل والمخارج وصيانة الطريق وتنظيم الجزر وتعزيز عناصر السلامة.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى