حداد يكتب: مجالس أمناء الجامعات وتحرير العلم من قبضة الأجندات
التاج الإخباري -
بقلم خبير الاستخدام المزدوج للأمن الحيوي والأسلحة البيولوجية الدكتور حازم اسكندر حدادالعلم أسلوب تفكير قبل أن يكون محصلة معارف، والوقوف عند النتائج دون المنهج يفسد غاية المعرفة.
ما يلقن للشباب في قاعات الدروس ليس علما بل خبرا، ففي التصنيف المنهجي المعرفة البرهانية هي التي ينتجها الدليل امام العقل، اما ما يستلمه المتلقي جاهزا من جهة موثوقة فهو المعرفة بالتقليد، واخطر منهما الايمان بثمار العلم دون منهجه، وهو غيب جديد.
فالعلم ليس حصيلة معرفة بل طريقة معرفة، حصيلته تنقل وتحفظ، اما طريقته فكيان حي يقوم على منظومة شروط مترابطة اولها الحرية المنهجية للباحث بوصفها أكسجينه، فالسؤال الحر هو الخلية الاولى في جسد العلم، وحيث تمنع الاسئلة يبدا الموت.
وثانيها القابلية للتخطئة، فالنظرية تكون علمية بقدر جسارتها على الموت، وما لا يقبل الدحض نبوءة لا معرفة، وثالثها التكرار المستقل، فالحقيقة تنجو في مختبرات الخصوم لا في دفاتر التلاميذ، ورابعها تحكيم العقل والاصول والقياس التقني.
وهنا يكمن الخطر الاعمق في البحث الموجه لاغراض اجنداتية، فالاجندة لا تكذب في الاجابة عادة، بل تنتقي السؤال قبل ان يولد، ومن يملك صياغة السؤال يملك النتيجة مسبقا، فيتحول تمويل المختبرات والنشر والترقيات الى بوصلة تحرف سفينة العلم قبل اقلاعها.
فحين تدار الجامعات بمنطق المنح والعقود، تصبح اسئلة السلطة والسوق مقدسة واسئلة الحقيقة ترفا، وانحياز النشر يدفن النتائج المزعجة، وتضارب المصالح يشتري النزاهة، فيصير الباحث مقاول معرفة يبيع لمن يدفع، والمنهج يموت مبتسما كجثة تتحرك بين المختبرات.
فإن لم تدرك مجالس أمناء الجامعات الأردنية هذا الخطر وتتنبه لما قيل، فستبقى المؤسسة رهينة، وسيبقى العلم كاملاً في قبضة الأجندات.
وهنا حد العلم القاطع، لكل شرط ميت صورة مزيفة، فاذا ماتت الحرية صار العلم عقيدة محنطة، واذا ماتت القابلية للتخطئة صار نبوءة، واذا مات التكرار المستقل صار حكاية، واذا مات القياس صار خطابة، واذا سقطت النزاهة في احضان الاجندة صار دعاية انيقة بلباس المختبر.
ذلك ان العلم وحدة عضوية لا تقبل التجزئة، فصفة العلمية تسكن المنهج لا النتيجة، والمنهج المكسور لا يمنح نتيجة نصف موثوقة، بل يمنح اليقين الزائف، وهو اخطر من الجهل لان الجهل يعرف حدوده واليقين الزائف لا يعرفها، ومن فقد شرطا واحدا فقد العلم كله كاملا.
اذا اردتم باحثين حقيقين يتم بتسلمهم مفاتيح المنهج لا متحف الاجابات، و حرية السؤال، و شجاعة الشك، وأدوات القياس، وفن كشف من يمول السؤال قبل ان يمول الاجابة، فمن امتلك المفاتيح صنع علمه، ومن اكتفى بالحصيلة ورث دعاية تتنكر في ثوب العلم.
الرجاء الانتظار ...