"فرحة وطن" يفتتح مهرجان الفحيص بسردية درامية غنائية تروي حكاية الأردن

التاج الإخباري -

ينطلق اليوم الأربعاء مهرجان الفحيص في دورته الثالثة والثلاثين بالأوبريت الوطني الدرامي الغنائي «فرحة وطن» في حفل الافتتاح، ضمن عمل فني يستحضر مرور ثمانين عامًا على استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، ويعيد تقديم محطات من تاريخ الدولة الأردنية من خلال سردية مسرحية وموسيقية متكاملة، تجمع الحوار والغناء والحركة والصورة الفيلمية.

ولا يأتي «فرحة وطن» بوصفه استعراضًا متتابعًا للأغنيات الوطنية، أو سردًا مباشرًا للتواريخ والمناسبات، وإنما يقوم على رؤية درامية وموسيقية وضعها ونفذها الدكتور محمد واصف، الذي كتب النص النثري ولحّن معظم أغنيات العمل، وعمل على ربط مكوناته الموسيقية والدرامية والبصرية في بناء واحد، تنتقل فيه الحكاية بسلاسة من ذاكرة الماضي إلى مسؤولية المستقبل.

وينطلق الأوبريت، الذي تبلغ مدته نحو أربعين دقيقة، من سؤال بسيط يطرحه طفل يمثل شخصية «الغد» على رجل كبير يحمل كتابًا قديمًا، ويجسد شخصية «التاريخ»: «ماذا في هذا الكتاب؟». ومن هذا السؤال تفتح صفحات الحكاية، وتظهر المرأة التي ترمز إلى الأردن؛ الأرض والأم والحياة والذاكرة، لتصبح الشخصيات الثلاث محورًا ثابتًا تتفرع منه اللوحات التاريخية والغنائية.
وتبدأ محطات العمل من راية الثورة العربية الكبرى عام 1916، بوصفها بداية الحلم العربي، ثم تنتقل إلى وصول الأمير عبدالله الأول إلى معان وبدايات تأسيس الدولة خلال عامي 1920 و1921، قبل أن تصل إلى يوم الاستقلال في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، وإعلان إرادة الأردنيين وقيام دولتهم المستقلة.

ومن الاستقلال ينتقل الأوبريت إلى مرحلة بناء دولة المؤسسات والدستور، ثم إلى تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 ومعركة الكرامة عام 1968، وما جسدته هاتان المحطتان من سيادة وطنية وبطولة وتلاحم بين الجيش والشعب. ويتابع العمل مسيرة البناء في عهد الملك الحسين بن طلال، مستحضرًا التعليم والصحة والزراعة والثقافة والطرق والجامعات، ليؤكد أن بناء الوطن لم يكن بالحجارة وحدها، وإنما بالإنسان الأردني.

وتتخذ السردية بعد ذلك منحى وجدانيًا في لوحة «سلام على الحسين»، حيث تتوقف الحركة للحظات أمام رحيل الملك الباني، قبل أن يعاد فتح كتاب التاريخ بإضاءة جديدة، في إشارة إلى استمرار الدولة وانتقال الراية والعهد. ومن هذه اللحظة ينفتح الأوبريت على عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، وما يمثله من امتداد للنهج الهاشمي، وثبات للدولة الأردنية في مواجهة التحولات والتحديات، وصولًا إلى صورة الأردن الحديث وشبابه ونسائه وقواته المسلحة ومؤسساته.

وتكمن الحرفية الفنية في رؤية الدكتور محمد واصف في قدرته على تحويل هذه المحطات، على تعدد أزمنتها وأمزجتها، إلى خط درامي وموسيقي متصل؛ فلا تبدو الأغنيات فقرات منفصلة، ولا تتحول الشخصيات إلى رواة للمعلومات، بل تبدأ الانتقالات الموسيقية من الجمل الأخيرة في كل لوحة، وتعود الجملة اللحنية الأساسية للعمل في أكثر من موضع، منذ الافتتاح وحتى لوحة الثمانين عامًا والخاتمة، في صيغ موسيقية تتسع تدريجيًا مع تطور الحكاية.

كما استطاع واصف أن يمنح كل أغنية وظيفة داخل السياق الدرامي. فأغنية «علمي عال» لا تُقدَّم بوصفها أغنية للعلم فحسب، بل تنبع من ذاكرة الطفل ومن حديثه مع أمه بعد لوحة الاستقلال، لتربط فرحة رفع العلم بمعنى حمايته وتحمل مسؤوليته. أما قصيدة الشاعر حيدر محمود «هنا رغدان»، فتستحضر البعد الهاشمي في السردية الوطنية، وتجعل من رغدان رمزًا للقيادة وذاكرة الدولة واستمرار العهد، ضمن صياغة لحنية تحافظ على قوة الكلمة الشعرية وتضعها في مكانها الدرامي المناسب.
وتبلغ الحكاية ذروتها في أغنية «أنا الفحيص»، من كلمات فهد رمضان وألحان الدكتور محمد واصف، إذ تنتقل السردية من فضاء الوطن الواسع إلى المدينة التي تحتضن العرض. ولا تبدو الفحيص في الخاتمة مكانًا منفصلًا عن الحكاية، بل تظهر بوصفها جزءًا أصيلًا منها؛ حجرًا يحفظ الذاكرة، وكرومًا تختزن حلاوة الأرض، وأهلًا يفتحون بيوتهم للثقافة والفرح.

ويحقق هذا الانتقال من «هنا رغدان» و«علمي عال» إلى «أنا الفحيص» معنى فنيًا يتجاوز الجمع بين مجموعة من الأغنيات، إذ تتشكل من خلالها ثلاثة مستويات مترابطة: الدولة وقيادتها الهاشمية، والراية بوصفها رمزًا للسيادة والمسؤولية، والفحيص بوصفها صورة للمدينة الأردنية التي تحفظ تراثها وتفتح نافذتها على المستقبل. وهكذا تصبح الخاتمة امتدادًا طبيعيًا للعمل، ويخرج الفرح من الفحيص ليشمل الأردن كله.

ويعتمد الأوبريت على شخصيات رمزية واضحة؛ إذ يؤدي الفنان القدير عبدالكامل الخلايلة دور «التاريخ»، من دون أن يتحول إلى راوٍ وثائقي، بل يقدم عبارات قصيرة ذات طابع شعري تفتح أبواب الغناء والصورة. ويؤدي الطفل ريان الفيومي شخصية «الغد»، التي تتطور من طفل يسأل عن معنى الراية إلى جيل يدرك أن عليه حملها ومواصلة الحكاية، فيما تؤدي مريانا خوري شخصية المرأة التي تتجسد مرة في صورة الأردن والأرض والأم، ومرة في صورة أم الجندي والشهيد، قبل أن تتخذ في الخاتمة ملامح امرأة من الفحيص.
ويشارك في تقديم اللوحات الغنائية الفنانون الأردنيون رامي شفيق، ونتالي سمعان، ويزن الصباغ، وياسمين أحمد، إلى جانب كورال مدرسة الروم الأرثوذكس في الفحيص، وفرقة الاستعراض بإشراف وتدريب سامر عيّاد. ويقوم محمد المراشدة على السينوغرافيا، وأعد أسامة حرزالله المادة الفيلمية المصاحبة.


وتوظف المجموعة الحركية بوصفها جزءًا من السرد الدرامي، فتظهر مرة في تشكيلات توحي بالفرسان والثورة، ومرة في صورة الشعب عند التأسيس، ثم الجنود والأمهات والبنّائين والشباب. كما تحضر الشخصيات الهاشمية من خلال الغناء والصور والمواد الفيلمية، بما يمنح اللوحات بعدها التاريخي ويحافظ في الوقت نفسه على الطبيعة الرمزية للعمل المسرحي.
وفي اللحظة الختامية، يدرك الطفل أن كتاب التاريخ لم يُفتح كي تبقى صفحاته في الماضي، بل لكي تنتقل مسؤوليته إلى الجيل الجديد. وعندما تتقدم المرأة معلنة «أنا الفحيص»، تجتمع حولها شخصيات التاريخ والغد والمطربون والكورال، ويظهر العلم الأردني ممتدًا على الشاشة، لتكتمل الرسالة الأساسية للعمل: أن فرحة الوطن لا تكتمل باستعادة تاريخه وحده، وإنما بما يضيفه أبناؤه إلى هذا التاريخ من عمل وإنجاز.


بهذا البناء، يقدم «فرحة وطن» في افتتاح مهرجان الفحيص تجربة درامية غنائية تسعى إلى رواية تاريخ الأردن بلغة المسرح والموسيقى، وتؤكد أن الراية التي ارتفعت في صفحات الماضي ما تزال عهدًا ينتقل من جيل إلى جيل، وأن الفحيص، وهي تحتفي بالثقافة والفن، ترفع الفرح للأردن وتجدد له العهد.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى