69 ألف مخالفة .. من ألقى أول كاسة قهوة ؟

التاج الإخباري -

وفاء صبيح.

قبل أيام، وأثناء قيادتي لسيارتي في أحد شوارع عمّان، باغتني أحد الأشخاص بإلقاء كاسة قهوته من نافذة سيارته أثناء القيادة، لتندفع القهوة بشكل مفاجئ نحو سيارتي، وتغطي جزءًا من زجاجها الأمامي والجانبي، فيما أصابت ملابسي أيضًا.

لم تكن المسألة مجرد كاسة ألقيت في الشارع، بل إن القهوة حجبت جزءًا من رؤيتي للطريق للحظات، في موقف كان يمكن أن تكون نتائجه أكثر خطورة، ليس بسبب النفايات التي تركها صاحبها خلفه فحسب، وإنما بسبب السلوك نفسه وما قد يترتب عليه من مخاطر على مستخدمي الطريق.

ومن هنا، يأتي السؤال الجوهري: هل أمانة عمّان مسؤولة عن "كاسة قهوتك" أيضًا؟

السؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه يعكس جانبًا مهمًا من مشكلة النظافة العامة، التي لا ترتبط فقط بأداء الجهات المعنية أو عدد حاويات النفايات وعمال النظافة، وإنما تبدأ أيضًا من سلوك المواطن نفسه ومدى التزامه بالحفاظ على المكان العام واحترام الآخرين.

وتكشف أرقام وزارة البيئة حجم التحدي الذي تواجهه المملكة في الحد من ظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات، إذ أعلن وزير البيئة الدكتور أيمن سليمان ارتفاع حجم مخالفات الإلقاء العشوائي للنفايات إلى 69,818 مخالفة، بالتزامن مع تنفيذ 1,447 حملة نظافة في مختلف المحافظات، فيما ارتفع عدد القضايا البيئية المحالة إلى النائب العام إلى 174 قضية، وبلغ عدد الشكاوى البيئية 6,070 شكوى.

وبينما تتجه الأنظار عادة إلى الجهات المعنية عند الحديث عن النظافة العامة، وتتركز الانتقادات على النفايات المتراكمة وحاويات القمامة الممتلئة، تبقى هناك مسؤولية لا تقل أهمية، تتعلق بسلوك المواطن نفسه.

فكم مرة شاهدنا شخصًا يلقي كوب قهوته أو علبة مشروبه من نافذة سيارته، ثم عاد لينتقد مستوى النظافة في الشوارع؟

وهنا، لا يتعلق الأمر فقط بمشهد غير حضاري، بل بسلوك قد يتحول إلى خطر حقيقي على الآخرين، كما حدث في واقعة كاسة القهوة التي كادت أن تحجب رؤيتي للطريق.

 

نحن نطالب أمانة عمّان بالحفاظ على نظافة الشوارع، وننتقدها عندما نرى النفايات أو الحاويات الممتلئة، وهذا حق مشروع. لكن في المقابل، هل يمكن أن نطالب بالنظافة بينما نلقي أكواب القهوة وعلب المشروبات والمناديل والنفايات من نوافذ سياراتنا؟

أتمنى أن تكون كاميرات المراقبة قد رصدت الشخص الذي ألقى كاسة القهوة من سيارته، ليس فقط لتسجيل مخالفة بحقه، وإنما لأن بعض السلوكيات، للأسف، لا تتوقف إلا عندما تكون هناك مخالفة وعقوبة.

والحقيقة التي يجب أن نعترف بها جميعًا هي أننا لا نستطيع أن نلوم أمانة عمّان على تراجع مستوى النظافة، بينما نشارك نحن في صناعة هذا المشهد بسلوكياتنا اليومية.

النظافة مسؤولية مشتركة، وقد تبدأ من تصرف بسيط جدًا: أن تحتفظ بكاسة قهوتك حتى تصل إلى أقرب حاوية نفايات.

لذلك، قبل أن نصوّر النفايات في الشوارع وننتقد أمانة عمّان، ربما علينا أن نسأل أنفسنا أولًا: من الذي ألقى أول كاسة؟




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى