قصص يندى لها الجبين .. من "الجن العاشق" إلى السحر والحسد .. لماذا تتفوق الرقية الشرعية أحيانًا على الطب؟

التاج الإخباري -

غادة الخولي ْ

يرى الأخصائي والاستشاري النفسي الدكتور عبد الرحمن مزهر أن المقارنة بين الاستجابة للعلاج بالرقية الشرعية والعلاج النفسي تُعد من الموضوعات الشائكة والمهمة، في ظل استمرار تقاطع الأمراض النفسية مع المعتقدات الروحية والدينية.

وأوضح مزهر في حديث مع "التاج الإخباري"، اليوم الأربعاء، أن الطبيب النفسي ينظر إلى المرض باعتباره خللًا في النواقل العصبية في الدماغ، في حين يعتقد بعض المرضى والمحيطين بهم أن ما يعانونه هو نتيجة عين أو حسد أو سحر أو مس، لافتًا إلى أن بعض الأطباء يرصدون بالفعل حالات يظهر فيها المرضى تحسنًا ملحوظًا وسريعًا بعد جلسات الرقية الشرعية، وأحيانًا يفوق هذا التحسن استجابتهم للجلسات النفسية التقليدية، ما يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كان الأمر مرتبطًا بقوى غيبية عجز العلم عن تفسيرها، أم بآليات نفسية معقدة تحدث داخل الدماغ البشري.

واستعرض مزهر عددًا من القصص الواقعية التي تُشاهد في العيادات النفسية، من بينها حالة فتاة فقدت بصرها بالكامل ليلة زفافها، حيث أكدت عائلتها أن ما تعرضت له كان نتيجة سحر أو حسد، فاصطحبوها إلى راقٍ شرعي قرأ عليها، فعاد إليها بصرها لساعات قبل أن تفقده مجددًا، وبعد عرضها على طبيب نفسي، تبيّن أن الحالة تُصنف طبيًا ضمن "الاضطراب التحويلي"، وهو اضطراب موثق ينجم عن الصدمات الشديدة أو الخوف، ويتحول إلى أعراض جسدية حقيقية مثل الشلل أو العمى دون وجود تلف عضوي.

وأكد مزهر أن التحسن الأولي كان نتيجة قوة الإيحاء والاقتناع، فيما تحقق الشفاء بعد جلسات العلاج النفسي التي عالجت الخوف الكامن في العقل الباطن.

وأشار إلى حالة أخرى تتكرر في العيادات النفسية، تتمثل في شاب في العشرينيات أصبح يتحدث بلغة غريبة ويدّعي أن جنيًا يأمره بتصرفات معينة، كما كان يرفض دخول غرفته، ورغم خضوعه لعدة جلسات رقية شرعية، فإن حالته ازدادت سوءًا، وانعزل عن المجتمع، وبعد مراجعة الطب النفسي وأخذ السيرة المرضية، تبين أنه يعاني من الفصام في مراحله الأولى، وهو مرض يسبب هلاوس سمعية وبصرية نتيجة خلل في ناقل الدوبامين في الدماغ، وبعد الانتظام على مضادات الذهان اختفت الأصوات، مؤكدًا أن المريض لم يكن ممسوسًا، وإنما كان بحاجة إلى علاج دوائي، وأن تأخر العلاج بالاعتماد على الرقية وحدها قد يؤثر سلبًا في فرص الشفاء والتحسن.

وأضاف أن من الحالات الشائعة أيضًا ما يُعرف بالجاثوم أو شلل النوم، مستشهدًا بحالة فتاة كانت تشعر بوجود وزن ثقيل على صدرها يمنعها من الحركة أو الكلام، وأحيانًا ترى خيالات ورذاذات سوداء داخل الغرفة، بينما اعتقد المحيطون بها أنه "جن عاشق"، وأوضح أن الطب يُفسر هذه الحالة بأنها شلل النوم، والذي يحدث عندما يستيقظ الدماغ قبل العضلات بأجزاء من الثانية، ويصاحبه اضطراب في النوم وهلاوس بصرية، وله أسباب معروفة مثل القلق أو الاكتئاب، كما أن له علاجًا طبيًا.

وبيّن مزهر أن العلم يفسر التحسن السريع الذي قد يشعر به بعض المرضى بعد الرقية من خلال ما يُعرف بتأثير "البلاسيبو" أو العلاج بالإيحاء، مؤكدًا أن هذا التأثير ليس وهميًا، وإنما عملية بيولوجية حقيقية، فعندما يكون لدى المريض يقين مطلق بأن القرآن الكريم شفاء، يستجيب الدماغ لهذا الاعتقاد بإرسال إشارات كيميائية مباشرة، ويُفرز كميات من الإندورفين والدوبامين، وهما من المواد التي تسهم في تخفيف الألم وتحسين الحالة النفسية، ما يؤدي إلى تراجع الأعراض الجسدية المرتبطة بالقلق، مثل تسارع نبضات القلب واضطرابات القولون العصبي، فيشعر المريض براحة سريعة.

وأضاف أن العلاج الروحي قد يتفوق أحيانًا بسبب عوامل ثقافية واجتماعية، أبرزها الوصمة المرتبطة بالطب النفسي، إذ لا يزال كثيرون ينظرون إلى مراجعة الطبيب النفسي باعتبارها أمرًا معيبًا اجتماعيًا، في حين يُعد اللجوء إلى الرقية الشرعية سلوكًا مقبولًا ومستحبًا، كما أن إرجاع المرض إلى الحسد أو السحر يخفف عن المريض شعوره بالمسؤولية ويمنحه تفسيرًا خارجيًا لمعاناته، بينما قد يشعر بالذنب أو الضعف إذا أُبلغ بأنه يعاني من الاكتئاب أو اضطراب في الشخصية، ما يدفعه إلى النفور من العلاج النفسي.

وأشار إلى أن من أسباب الانجذاب للعلاج الروحي أيضًا الاعتقاد الشائع بأن الأدوية النفسية تسبب الإدمان، مبينًا أن هذا من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا، إذ إن مضادات الاكتئاب والقلق والذهان تعمل على إعادة التوازن الكيميائي للنواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، ولا تسبب نشوة إدمانية أو رغبة قهرية في زيادة الجرعة.

وأوضح أن الخلط يحدث بسبب فئة محددة من المهدئات التي تُصرف بحذر ولمدد قصيرة، والتي قد يؤدي سوء استخدامها إلى الإدمان.

وفيما يتعلق بالأعراض الانسحابية، أكد مزهر أنها لا تعني الإدمان، وإنما تنتج عن التوقف المفاجئ عن الدواء، ما يسبب أعراضًا جسدية مؤقتة نتيجة التغير المفاجئ الذي يتعرض له الدماغ، مشددًا على ضرورة إيقاف العلاج تدريجيًا وتحت إشراف طبي، كما هو الحال مع أدوية القلب أو الضغط أو السكري.

وأكد أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة عند ملاحظة أعراض غريبة أو محيرة على أحد أفرادها، داعيًا إلى توجيه المريض دون إشعاره بالذنب أو وضعه في صراع بين العقيدة والطب، واتباع نهج متوازن يجمع بين الرقية الشرعية والعلاج النفسي، بحيث لا تتم محاربة رغبة المريض في قراءة القرآن أو الأذكار، وإنما تشجيعه على ذلك باعتباره وسيلة لطمأنينة النفس، مع إقناعه بأن مراجعة الطبيب هي من الأخذ بالأسباب التي حث عليها الدين الإسلامي.

كما حذر من اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين، بغض النظر عن هيئاتهم، ومن التعامل مع من يستخدم الضرب أو الضغط النفسي أو يدّعي معرفة الغيب أو يزرع الشكوك في عقل المريض بأن أحد أقاربه سحره أو يريد به السوء، مؤكدًا أن مثل هذه الممارسات تدمر شبكة الدعم الاجتماعي للمريض وتزيد من تدهور حالته النفسية.

وشدد مزهر على أهمية تغيير لغة الحوار مع المريض النفسي، والابتعاد عن العبارات الجارحة مثل "أنت مريض نفسي" أو "أنت مجنون"، واستبدالها بعبارات أكثر تعاطفًا، مثل "أنت متعب" أو "تعاني من ضغوط" أو "دعنا نراجع طبيبًا أو أخصائيًا ليساعدك على الشعور بالراحة".

كما دعا الأسر إلى مراقبة أي تدهور وظيفي، مثل إهمال النظافة الشخصية، أو العزلة، أو التحدث مع النفس أو مع أشخاص غير موجودين، أو التفكير في إنهاء الحياة، مؤكدًا أن هذه المؤشرات تستدعي تدخلاً نفسيًا عاجلًا، لأن التأخر في العلاج قد يعرض المريض أو من حوله للخطر.

ونوه إلى أن بعض الأشخاص يدّعون رؤية الجن، مؤكدًا أن ذلك يتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن"، موضحًا أن هذه الآية تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم بوجود الجن أو يستشعرهم إلا بعد أن أوحى الله إليه بذلك، متسائلًا: فكيف يدّعي بعض الناس اليوم أنهم يرون الجن أو يعرفون أحوالهم؟




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى