حظر اللعب بالرأس .. الثورة القادمة في عالم كرة القدم
التاج الإخباري -
في خطوة تهدف إلى إعادة تشكيل المفاهيم الرياضية والوقائية في أروقة كرة القدم الأوروبية، أعلن نادي كومو الإيطالي (Como 1907) عن اعتماد برنامج علمي ووقائي صارم داخل مركز التكوين والفئات السنية التابع له.يستهدف هذا البرنامج الحدّ من الضربات غير الضرورية على الرأس، ووصل إلى حدّ الحظر التام للعب الهوائي واستخدام الرأس على جميع اللاعبين الذين تقل أعمارهم عن 10 سنوات، مع فرض قيود متدرجة على الفئات الأكبر سناً.
تأتي هذه الخطوة الجريئة لتعكس تحولا جذريا في أسلوب تدريب الناشئين، متأثرة بالأبحاث الطبية الحديثة حول خطورة الإصابات الدماغية المتكررة في الرياضات الجماعية.
بصمة رافايل فاران
لم تكن هذه المبادرة وليدة الصدفة، بل جاءت بدفع مباشر من المدافع الدولي الفرنسي السابق رافايل فاران، بطل العالم 2018 وعضو مجلس إدارة نادي كومو.
فاران، الذي اعتزل عالم الساحرة المستديرة عام 2024 بعد مسيرة حافلة مع أندية عالمية مثل ريال مدريد ومانشستر يونايتد وتجربة قصيرة في كومو، كان قد فجّر قنبلة إعلامية وتوعوية عام 2024 عبر تصريحات شهيرة لصحيفة "ليكيب" الفرنسية.
كشف فاران حينها أنه خاض عدة مباريات مفصلية في مسيرته (من بينها مواجهة فرنسا وألمانيا في ربع نهائي مونديال 2014) وهو يعاني من أعراض الارتجاج الدماغي دون إدراك كامل لمخاطر ذلك.
وقال رافايل فاران عبر الموقع الرسمي لنادي كومو: "تحدثت مرارا عن ضرورة التعامل بجدية بالغة مع الضربات على الرأس في كرة القدم، وعن الواجب المطلق المتمثل في حماية أطفالنا.. بالنسبة للاعبين الشبان، فإن أفضل مقاربة تقوم على قواعد واضحة، وتأطير جيد، وثقافة تجعل الرفاهية والسلامة فوق كل اعتبار. هذا النهج يحد من الاحتكاكات غير الضرورية منذ سن مبكرة جدا، عندما يكون الدماغ لا يزال في طور النمو، ثم يعلّم هذه التقنية بشكل صحيح، خطوة بخطوة، مع التحكم المناسب".
خطة تدريبية حسب الفئات العمرية
وتعتمد أكاديمية كومو إستراتيجية تدريبية مرحلية تُراعي بدقة مراحل النمو العصبي والجسدي للطفل، حيث يُمنع منعا باتا على فئة دون 10 سنوات ضرب الكرة بالرأس سواء في التدريبات أو المباريات الرسمية، مع تعديل قوانين اللعب لتشمل إلغاء الرميات الجانبية والركنيات الهوائية واستبدالها بتمريرات أرضية لتفادي أي نزاعات هوائية.
وتستمر هذه القيود الصارمة ذاتها مع فئة دون 11 سنة طوال الموسم، على أن يقتصر تقديم مفهوم اللعب بالرأس في نهاية الموسم على جانب تعليمي بحت باستخدام كرات مطاطية أو إسفنجية خفيفة الوزن لتجنب الصدمات الشديدة. أما بالنسبة للفئات العمرية الأكبر فوق 12 سنة، فيُسمح لها باللعب الهوائي ولكن ضمن حدود قصوى ومحددة لعدد الضربات الرأسية في كل حصة تدريبية، بالتوازي مع مراقبة ضغط الهواء داخل الكرات بصرامة لمنع استخدام الكرات المنفوخة بشكل مفرط، والتركيز المكثف على تعليم التوافق العضلي والتقنية الصحيحة للارتقاء وتجنب الاحتكاك المباشر بالخصم.
لماذا يُشكل اللعب بالرأس خطرا على الناشئين؟
تُشير الدراسات الطبية الحديثة، وفي مقدمتها الأبحاث الصادرة عن جامعة غلاسكو وسلطات الصحة الرياضية، إلى أن أدمغة الأطفال في مرحلة النمو تكون أكثر عرضة للتأثر بالاهتزازات والتلف العصبي مقارنة بالبالغين، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى ضعف عضلات الرقبة لدى الأطفال والتي لم تكتمل قوتها بعد، مما يقلل من قدرتها على امتصاص صدمة الكرة وينقل زخم الضرب مباشرة إلى الجمجمة.
كما يرتبط التكرار المستمر لهذه الضربات -حتى وإن كانت طفيفة وغير مسببة لإغماء مباشر- بخطر الإصابة بمرض الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن "سي تي إي" (CTE)، وهو اضطراب تنكسي يظهر في مراحل متقدمة من العمر ويتسبب في الاكتئاب، وفقدان الذاكرة، وأمراض تشبه ألزهايمر، فضلا عن أن الدماغ النامي يتطلب بطبعه مددا أطول بكثير للتعافي من أعراض الارتجاج الطفيف مقارنة بدماغ اللاعب المحترف.
تحرك القارة العجوز وموجات الملاحقات القضائية
ولم يكن نادي كومو الاستثناء في هذا الاتجاه، بل جاءت خطواته كجزء من ثورة صحية وتوعوية شاملة تجتاح الرياضة العالمية لمواجهة التداعيات الخطيرة لضربات الرأس المتكررة.
ففي القارة العجوز، اتخذ الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إجراءات صارمة بحظر اللعب بالرأس تماما للفئات العمرية من أقل من 6 سنوات إلى أقل من 9 سنوات، مع فرض قيود مشددة على الفئات من تحت 10 إلى تحت 13 عاما، وإجازته الكاملة فقط بدءا من سن الـ14.
وفي السياق نفسه، ألغت الاتحادات البريطانية في إنجلترا وأسكتلندا وويلز وأيرلندا اللعب بالرأس كليا خلال حصص التدريب للفرق التي تضم أطفالا دون سن الـ12. ولا تقتصر هذه التحركات على الكرة الأوروبية فقط، إذ تُعد الولايات المتحدة الرائدة عالميا في هذا المجال بعدما سبقت الجميع منذ عام 2015 بفرض حظر تام على ضرب الكرة بالرأس للأطفال دون سن العاشرة، مع إخضاع الفئات العمرية بين 11 و13 عاما لقيود وضوابط تدريبية صارمة.
تأتي هذه التحركات الإدارية والوقائية تحت مظلة ضغط قانوني وشعبي متزايد. ففي السنوات الأخيرة، رفعت عائلات لاعبين محترفين سابقين توفوا بمرض الخرف (مثل نجوم منتخب إنجلترا لعام 1966) دعاوى قضائية ضد الاتحاد الإنجليزي ورابطة الدوري، متهمين الهيئات الرياضية بـ"الإهمال والتستر" والتأخر في اتخاذ التدابير رغم علمهم المسبق منذ عقود بالمخاطر الذهنية والتشريحية التي يعاني منها اللاعبون بسبب الكرات الثقيلة والضربات المتكررة.
وتوفي لاعب وسط ميدان مانشستر يونايتد السابق نوبي ستايلز، قبل 6 سنوات تقريبا، عن عمر يناهز (78 عاما)، بسبب معاناته من مرض الخرف الحاد.
وخلُص تحقيق الطب الشرعي في ستوكبورت، شمال غرب إنجلترا، إلى أن وفاة اللاعب الإنجليزي تسبب فيها ضرب الكرة برأسه لأكثر من 140 ألف مرة. وقال الخبير في أمراض الأعصاب الدكتور دانييل دو بليسي في شهادته للمحكمة "أنا واثق تماما أن ضرب الكرة بشكل متكرر وراء التلف الدماغي للاعب".
إن قرار نادي كومو يؤكد أن مستقبل كرة القدم لا يتوقف فقط عند تطوير المهارات التكتيكية والفردية للاعبين، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بسلامتهم الجسدية والعصبية. ومن خلال جمع خبرات نجوم عالميين مثل رافايل فاران والتوصيات الطبية الحديثة، يبعث النادي الإيطالي برسالة واضحة لكل الأكاديميات في العالم: صحة الطفل وسلامة عقله تسبقان دائما نتائج المباريات وصناعة الألقاب.
الرجاء الانتظار ...