أرقام إعجازية لمهاجم فتّاك .. ما يعنيه أن تملك إيرلينغ هالاند

التاج الإخباري -

لم يكن إيرلينغ هالاند بحاجة إلى مباراة مفتوحة أو إلى عشرات الفرص حتى يمنح مانشستر سيتي واحدا من أصعب انتصارات الموسم، ففي ديربي مانشستر الأخير، وجد المهاجم النرويجي نفسه في مباراة شديدة التعقيد بعدما اضطر فريقه إلى اللعب بعشرة لاعبين منذ الدقيقة 23، إثر طرد فيل فودين، بينما ظل مانشستر يونايتد صاحب الأفضلية العددية يحاول استغلال النقص حتى النهاية.

ومع ذلك، جاءت اللحظة التي احتاج فيها سيتي إلى لاعبه الأهم، فكان هالاند في المكان المناسب، وسجّل هدف الفوز الوحيد في الدقيقة 60، ليمنح فريقه انتصارا 1-0، ويحافظ على بدايته المثالية في الدوري الإنجليزي.

الأهم أن الهدف لم يكن نتاج مباراة هجومية استثنائية من هالاند بالأرقام التقليدية، فقد سدد النرويجي مرتين فقط سجل من إحداهما، وأهدر فرصة كبيرة واحدة، كما فاز بـ4 من أصل 6 التحامات أرضية، أي أن سيتي لم يحتج إلى أن يصنع له عشر فرص كي يحسم المباراة؛ احتاج إلى فرصة حقيقية واحدة، وكان هالاند قادرا على تحويلها إلى الهدف الذي فصل بين الفريقين، وبذلك ارتفع رصيده إلى 9 أهداف في ديربيات مانشستر بالدوري الإنجليزي، ليصبح الهداف التاريخي للمواجهة في المسابقة متجاوزا سيرخيو أغويرو وواين روني.

ماذا يعني امتلاك إيرلينغ هالاند في فريقك على مدار أربعة مواسم كاملة بخلاف مطلع الموسم الجاري الذي يقدم فيه هالاند المردود ذاته؟

منذ وصوله إلى مانشستر سيتي، لم يكن معدل تسجيله مجرد حالة موسمية عابرة، وبالاعتماد على أرقام الدوري الإنجليزي في المواسم الأربعة الكاملة من 2022-2023 حتى 2025-2026، سجل هالاند 112 هدفا في 132 مباراة، بواقع 36 هدفا في موسمه الأول، ثم 27، ثم 22، ثم 27 هدفا.

وبالحساب المباشر، يعني ذلك متوسطا يبلغ نحو 0.85 هدف لكل مباراة في تلك المواسم الأربعة، أو ما يقارب هدفا كل 1.18 مباراة، وتظهر بيانات "أوبتا" كذلك أنه سجل 1.17 هدف لكل 90 دقيقة في موسمه الأول، ثم 0.95، و0.72، و0.82 على التوالي في المواسم الثلاثة التالية.

الأهداف المتوقعة
لكن معدل التسجيل وحده لا يشرح الصورة كاملة؛ لأن أحد أهم المقاييس التي تسمح بفهم جودة الفرص التي يحصل عليها المهاجم هو الأهداف المتوقعة "xG".

في المواسم الأربعة نفسها، بلغ معدل هالاند في xG نحو 0.92 هدف متوقع لكل 90 دقيقة في 2022-2023، وفق بيانات "أوبتا"، وهو رقم يضعه في أعلى مستويات المهاجمين من حيث حجم ونوعية الفرص التي يصل إليها.

والأهم أن هذه ليست مجرد فرص عشوائية؛ ففي موسمه الأول مع سيتي، كان يسجل 1.17 هدف لكل 90 دقيقة مقابل 0.92 xG لكل 90 دقيقة، أي أنه لم يكن يحصل فقط على فرص ممتازة، بل كان يحولها إلى أهداف بمعدل أعلى من المتوقع.

كما تكشف السنوات التالية أن هالاند لم يتحول إلى هداف يعتمد على موسم استثنائي واحد، ففي موسم 2023-2024 سجل 27 هدفا في 31 مباراة، بمعدل 0.95 هدف لكل 90 دقيقة مقابل 0.71 xG لكل 90، ثم سجل 22 هدفا في 31 مباراة خلال 2024-2025، بمعدل 0.72 هدف لكل 90 دقيقة، قبل أن يعود في 2025-2026 إلى 27 هدفا في 35 مباراة، بمعدل 0.82 هدف لكل 90 دقيقة.

وبجمع المواسم الأربعة، يصل إجمالي أهدافه إلى 112 هدفا، بينما بلغ إجمالي الـxG نحو 122.4 هدفا متوقعا وفق بيانات "أوبتا"، وهو ما يوضح أن هالاند طوال هذه الفترة ظل لاعبا يصل باستمرار إلى مناطق التسجيل، حتى مع اختلاف معدلات تحويل الفرص من موسم إلى آخر.

قدرة الحسم
وهذه النقطة تحديدا مهمة لفهم فكرة "حسم المباريات الصعبة"، فالمهاجم الذي يمتلك معدلا مرتفعا من الـxG لا يمنح فريقه الأهداف فقط، بل يمنحه احتمالا متكررا لصناعة هدف من كل فرصة داخل منطقة الجزاء.

هالاند أثبت في الوقت نفسه أنه قادر على تسجيل الهدف الذي لا تبدو المباراة فيه متجهة أصلا إلى وفرة تهديفية، ديربي مانشستر الأخير نموذج واضح، إذ لعب سيتي أكثر من ساعة تقريبا وهو ناقص العدد دون تشكيل خطورته الهجومية المعتادة، لكن هالاند احتاج إلى لحظة واحدة ليحوّل عرضية يوشكو غفارديول إلى هدف الفوز.

والأكثر إثارة أن قدرة هالاند على التسجيل لا تأتي على حساب تنوع أدواره، ففي تحليل نشره مانشستر سيتي رسميا في فبراير/شباط 2026، بعد مباراة نيوكاسل بالدوري الإنجليزي، أشار النادي إلى أن هالاند سجل 22 هدفا في ذلك الوقت من الموسم، متقدما بـ5 أهداف على أقرب منافسيه في ترتيب هدافي الدوري، كما وصل إلى 7 تمريرات حاسمة، وهو ثاني أفضل رقم له في موسم واحد مع سيتي آنذاك.

وأشار النادي كذلك إلى ارتفاع معدل مراوغاته إلى 1.29 في المباراة، مقابل 1.18 و1.09 في الموسمين السابقين، مع تحسّن نسبة نجاحه في المراوغات إلى 40.3%.

وفي المباراة المذكورة نفسها أمام نيوكاسل أظهر هالاند جانبا آخر من تطوره؛ إذ وصل عدد التحاماته إلى 12 التحاما، وهو أعلى رقم في مسيرته، بينما سجل 43 لمسة للكرة، وهو أعلى رقم له في مباراة بالدوري الإنجليزي حتى ذلك الوقت.

كما ارتفعت نسبة فوزه بالالتحامات الهوائية في موسم 2025-2026 إلى 64%، مقارنة بـ53% في الموسم السابق و47.5% في 2023-2024، بحسب موقع مانشستر سيتي الرسمي، أي أن قيمة هالاند لم تعد محصورة في اللحظة التي يضع فيها الكرة داخل الشباك.

كسر التسلل
ثم تأتي واحدة من أكثر الإحصائيات غرابة في إمكانيات هالاند كمهاجم تتمثل في قدرته على تجنب التسلل رغم كثرة تحركاته خلف الخط الدفاعي.

الصحفي سام لي، مراسل مانشستر سيتي في "ذا أثلتيك" (The Athletic)، أشار الشهر الجاري إلى أن هالاند، منذ وصوله إلى الدوري الإنجليزي في 2022، تم احتسابه متسللا 25 مرة فقط في 131 مباراة وفق الجدول الذي استند إليه في تحليله، بينما سبقه عشرات اللاعبين في العدد الإجمالي للتسللات، والأكثر دلالة أن معدل تسلله بلغ 0.20 مرة لكل 90 دقيقة، وهو معدل منخفض جدا مقارنة بمهاجمين يعتمدون على الركض خلف الدفاع.

وهنا تظهر المفارقة: هالاند ليس قليل التحرك خلف المدافعين حتى لا يقع في التسلل؛ بيانات شركة "سكيل كورنر" (SkillCorner) التي استند إليها سام لي تشير إلى أنه قام بمتوسط 9.5 تحركات خلف الخط الدفاعي في المباراة منذ وصوله إلى الدوري الإنجليزي، ولم يتفوق عليه في هذا المعدل خلال الفترة نفسها سوى نيكولاس جاكسون، وداروين نونيز، وأولي واتكينز، وبنيامين شيشكو، بمعنى آخر، هالاند يتحرك بكثرة في المساحات التي يفترض أن تعرضه للتسلل، لكنه يملك توقيتا دقيقا يجعل نسبة وقوعه فيه منخفضة.

وهذا الأمر ليس جديدا في مسيرة هالاند، ففي سبتمبر/أيلول 2022 وعندما كان قد سجل 10 أهداف في أول 6 مباريات له مع مانشستر سيتي، درس المدرب ومحلل الأداء السويدي فريد يانكه إمكانية استمرار هذا المعدل طوال الموسم، واستخدم في تحليله معدل الـxG لهالاند في تلك البداية، والذي بلغ 1.36 هدف متوقع في المباراة، مقابل تسجيله 10 أهداف من 8.16 xG. وخلص يانكه إلى أن البداية لم تكن مجرد سلسلة أهداف عشوائية؛ لأن حجم الفرص التي كان يصل إليها كان مرتفعا أصلا.

وفي دراسة يانكه نفسها، ظهرت محاولة مبكرة لترجمة معدل هالاند إلى معنى أكثر وضوحا، فإذا حافظ على معدل أهدافه في أول 6 مباريات وكان قادرا على المشاركة في جميع مباريات الموسم، كان الإسقاط النظري سيصل إلى 63 هدفا، بينما في سيناريو يعتمد على الـxG ويشارك في نحو 75% من المباريات، كان الإسقاط يصل إلى 40 هدفا.

وبعد 4 مواسم، تبدو الصورة أكثر نضجا من مجرد الإسقاطات النظرية، هالاند سجل 36 هدفا في موسمه الأول في البريميرليغ، ثم 27، ثم 22، ثم 27، وفاز بالحذاء الذهبي في 3 من آخر 4 مواسم، وفي الموسم الحالي بدأ بـ4 أهداف في أول 4 مباريات بمعدل هدف للمباراة الواحدة.

امتلاك إيرلينغ هالاند لا يعني أنك تملك لاعبا يسجل هدفا كل مباراة تقريبا فقط، الأرقام تقول شيئا أكبر، فخلال أكثر بقليل من أربعة مواسم كاملة في الدوري الإنجليزي، أنت تملك مهاجما سجل 116 هدفا في 136 مباراة، بمعدل 0.85 هدف في المباراة، مع حجم فرص متوقع كبير، وقدرة على التحرك خلف الدفاع بمعدل مرتفع مع الوقوع في التسلل بمعدل منخفض، هذه الأرقام تقدم سببا قويا لفهم لماذا يكون وجود مهاجم مثل هالاند مختلفا عن مجرد وجود هداف آخر.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى