مشروع الإدارة المحلية .. خطوة إصلاحية أم إعادة إنتاج للواقع الحالي؟

التاج الإخباري -

همام الفريحات ْ

في اول جلسة من جلسات الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، تصدر مشروع قانون الإدارة المحلية المشهد النيابي وسط جدل واسع تحت قبة البرلمان، وسط مطالبات بإعادة صياغة عدد من مواده قبل إقراره؛ لضمان الانتقال من إدارة محلية تقوم على تقديم الخدمات إلى حكم محلي يمتلك صلاحيات حقيقية في صناعة القرار والتنمية، فيما تتركز الانتقادات حول استمرار بعض مظاهر المركزية، والحاجة إلى منح المجالس المنتخبة دوراً أكبر في إدارة شؤون المحافظات وتعزيز مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات.


بدوره، أكد عضو لجنة الإدارة المحلية في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، الدكتور عبدالله جبارة، أن مشروع قانون الإدارة المحلية المطروح للنقاش تحت قبة مجلس النواب يمثل محطة مفصلية في مسار تحديث الإدارة المحلية في الأردن، إلا أن نجاحه يتوقف على إدخال تعديلات جوهرية تضمن نقل الصلاحيات وتعزيز التنمية المحلية والاستقرار التشريعي.

وقال جبارة، في حديث له مع "التاج الإخباري"، إن مجلس النواب لا يناقش مجرد قانون إداري، بل يناقش أحد أهم التشريعات المرتبطة بمستقبل المحافظات والبلديات والقرى والبوادي، مشيراً إلى أن فلسفة القانون يجب أن تنتقل بالإدارة المحلية من مجرد مؤسسة خدمية إلى مؤسسة تنموية تقود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف مناطق المملكة.

وأضاف أن مسؤولية مجلس النواب لا تقتصر على تعديل النصوص القانونية، وإنما تمتد إلى اختبار قدرة القانون على تحقيق الغايات التي أُعد من أجلها، وفي مقدمتها تعزيز المشاركة الشعبية، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحقيق استقرار تشريعي طويل الأمد، بعد سنوات شهد فيها قانون الإدارة المحلية تعديلات متكررة أثرت على أداء البلديات والمنظومة المحلية.

وأوضح أن القانون ينبغي أن يمنح المجتمعات المحلية قدرة حقيقية على تحديد أولوياتها من خلال خطط استجابة محلية تستند إلى احتياجات كل محافظة، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة، وتعزيز الشراكة بين الحكومة المركزية والإدارة المحلية بما ينسجم مع رؤية التحديث السياسي والإداري.

جبارة لـ"التاج": مشروع القانون لا يترجم بالكامل توصيات اللجنة الملكية

ورأى جبارة أن الصيغة الحالية لمشروع القانون لا تعكس بالكامل مخرجات اللجنة الملكية، لافتاً إلى أن بعض بنودها ما تزال تميل إلى المركزية رغم حملها عنوان "الإدارة المحلية".

وأشار إلى أن نقل عدد من الصلاحيات من الوزير إلى المدير التنفيذي للبلدية، بدلاً من رئيس البلدية المنتخب، يثير إشكاليات تتعلق باستقلالية القرار البلدي، باعتبار أن المدير التنفيذي يتبع إدارياً لوزارة الإدارة المحلية، ما قد يحد من قدرة المجالس المنتخبة على تنفيذ برامجها.

كما لفت جبارة خلال حديثه لـ"التاج"، إلى غياب الوضوح في العلاقة بين مستويات الإدارة المحلية المختلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تضارب في الاختصاصات، إضافة إلى أن الجانب التنموي في المشروع لا يزال أقل حضوراً من الجانب الإداري.

وأكد أن مجالس المحافظات، في حال الإبقاء عليها، يجب أن تتحول إلى مؤسسات تقود التنمية الاقتصادية المحلية، وتجذب الاستثمارات، وتوفر فرص العمل، مشيداً في الوقت ذاته بما تضمنته المسودة من السماح للبلديات بتأسيس شركات، وإقامة ائتلافات فيما بينها، بما يعزز الاستثمار المحلي.

الإدارة المحلية.. بين مشروع القانون  ومشاركة المواطنين

وشدد جبارة على ضرورة مأسسة المشاركة المجتمعية، بحيث يصبح المواطن شريكاً في تحديد الأولويات ومراقبة الأداء، وليس مجرد متلقٍ للخدمات، منتقداً اعتماد العديد من مواد المشروع على أنظمة وتعليمات تصدر لاحقاً، الأمر الذي يترك كثيراً من التفاصيل دون حسم داخل القانون نفسه.

خطوة إلى الأمام.. لكن الطريق إلى اللامركزية ما يزال طويلاً

وفيما يتعلق بمدى تعزيز المشروع لمبدأ اللامركزية، أوضح جبارة أن القانون يمثل خطوة إيجابية، لكنه لم يصل بعد إلى فلسفة اللامركزية الحقيقية، التي تقوم على نقل الصلاحيات والموارد والمسؤوليات من المركز إلى المحافظات، وليس مجرد إعادة توزيع للاختصاصات الإدارية.

وأضاف أن اللامركزية ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق حكم محلي أكثر كفاءة وعدالة واستجابة لاحتياجات المواطنين، داعياً إلى توسيع الصلاحيات التنموية للمجالس المنتخبة، وتعزيز استقلالها المالي، وربط التمويل بالأداء، إلى جانب ترسيخ المشاركة المجتمعية والشفافية والرقابة.

وأشار إلى أن رؤية اللجنة الملكية تتضمن مستقبلاً الانتقال إلى مجالس أقاليم تقوم على الميزة النسبية للمناطق، سواء كانت سياحية أو زراعية أو اقتصادية، وليس وفق التقسيمات الجغرافية التقليدية.

فرصة تاريخية للإصلاح.. فهل ينجح الأردن في كسر الحلقة التقليدية؟

وأكد جبارة لـ"التاج"، أن الأردن يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإحداث نقلة نوعية في الإدارة المحلية، لكنه حذر من أن الاكتفاء بإعادة هيكلة المؤسسات دون نقل حقيقي للصلاحيات والموارد سيؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات السابقة.

وأوضح أن المطلوب هو الانتقال من إدارة الخدمات إلى قيادة التنمية المحلية، ومن ثقافة الوصاية إلى ثقافة الشراكة، ومن التركيز على الإجراءات إلى التركيز على النتائج والأثر التنموي.

ودعا مجلس النواب إلى الاستفادة من آراء الخبراء، والأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، وأصحاب الخبرة في العمل البلدي، مؤكداً أن نجاح القانون يعتمد على مدى الأخذ بالملاحظات المطروحة خلال جلسات الحوار، وليس الاكتفاء بعقدها شكلياً.

كما شدد على أهمية بناء قدرات المجالس المنتخبة، والكوادر التنفيذية، ولجان الأحياء، لضمان إدارة تنموية مستدامة، معتبراً أن الإدارة المحلية تمثل نقطة التماس اليومية بين المواطن والدولة.

وفي ختام حديثه، أشار جبارة إلى أن مناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية تحتاج إلى التروي، خاصة أنه يأتي ضمن حزمة من ستة قوانين مدرجة على جدول أعمال الدورة الاستثنائية، مؤكداً أن جودة التشريع أهم من سرعة إقراره، وأن الهدف النهائي يجب أن يكون إصدار قانون يحقق التنمية، ويعزز الديمقراطية، ويمنح المواطنين نتائج ملموسة ومستقرة على أرض الواقع.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى