العيش بالتقسيط: كيف أصبحت الديون جزءًا من الحياة اليومية في الأردن؟

التاج الإخباري -

كتبت: رحمه مهدي العمرات.

أصبحت الديون تُضاف على قائمة الفواتير الشهرية فبمجرد إستلام الراتب تتقاسمه الديون ما بين أجور واقساط ورسوم دراسية أو مستلزمات أساسية وما تبقى يُترك ليتحمل بقية الشهر قبل أن تبدأ الدورة الأخرى من الإلتزامات مع بدء الشهر الجديد .

وهذه المشاهد هي حال الكثيرون فالتقسيط اصبح مرتبط بإلتزامات طويلة الأجل كشراء العقارات ،السيارات او السلع مرتفعة الثمن حتى اصبحت الأقساط من أهم الأدوات لتغطية الإحتياجات اليومية دون أن تتعلق بظرف طارئ او استثنائي بالضرورة فأصبحت وسيلة للحفاظ على مستوى معيشي تتجاوز كلفته مستوى الدخل ، والتقسيط من باب آخر أعاد تشكيل مفهوم الاستهلاك ذاته فالشراء كان يسبقه إدخار ،أما اليوم اصبح الشراء خطوة تسبق القدرة على الدفع وبهذا يصبح المُستَقبل مُستهلك بالفعل وبشكل مُسبق عبر الأقساط والديون .

وبالحديث عن الارقام فقد كشفت بيانات القطاع المصرفي حجم هذا التحول في معيشة الأفراد ، ففي  نهاية  2024 وصلت مديونية الأفراد في الأردن إلى نحو 14 مليار دينار أردني (19.74 مليار دولار) ، بزيادة من 13.3 مليار دينار (18.75 مليار دولار) في نهاية عام 2023، مما يمثل ارتفاعاً بنسبة 5.4% أو ما يقارب 713 مليون دينار، وقد شكلت القروض السكنية النسبة الأكبر من هذه المديونية بنسبة 40.9% (5.734 مليار دينار)، تليها القروض الشخصية بنسبة 31.9% (4.481 مليار دينار)، ثم قروض السيارات بنسبة 13.1% (1.842 مليار دينار) .

وقد تبدو هذه الأرقام للوهلة الأولى مؤشرًا على نشاط اقتصادي متزايد أو توسع في الإستهلاك، إلا أنها تطرح سؤالًا مختلفًا: ما المغزى من أن يصبح الإقتراض بهذه الدرجة من الاعتيادية داخل حياة الأسر الأردنية؟ فمن هذا المنظور فتوسع الإقتراض لا يمكن ترجمته على أنه رفاه إجتماعي او تحسن في قدرة الأفراد الشرائية فإطّراد معدل الإستهلاك لا يعني بالضرورة تحسن جودة الحياة إذا كان أساسه مديونية مرتفعة وأمان اقتصادي مهزوز .

وعلى الرغم من حجم الأرقام الكبير إلا أن طبيعتها تكشف آثار أكبر ، فمع كل عام يزداد الإقبال على البنوك وعلى الجهات الممولة كل حسب وضعه وقدرته للحصول على قروض تغطي إلتزاماتهم وتعينهم على التكيف مع الواقع الإقتصادي المتمثل في إرتفاع كلفة المعيشة من سكن ، تعليم، خدمات أساسية فنمت هذه التكاليف بوتيرة أكبر من نمو الدخل حتى أصبحت طوق نجاة للبعض "ان لم تكن هلاك" .

وقد ينصرف البعض إلى تفسير هذه الظاهرة بوصفها تغير لنمط الإستهلاك أو توسع في الإسراف، إلا أنه تفسير معزول عن السياق الإقتصادي والإجتماعي فلا يمكن أن ننكر ما شهده الأردن في السنوات الأخيرة من تضخم وإنتكاسات اقتصادية انعكست على الدولة ككل وعلى الأفراد بشكل خاص ، لكن من زاوية أُخرى هناك إستقرار نسبي في المؤشرات الإقتصادية الكلية إذا ما قُورنت مع بعض الدول في المنطقة حيث إستطاع الإقتصاد أن يحافظ على معدلات النمو الإيجابية رغم ما يعصف بالإقليم من أزمات متلاحقة إلى هذا اليوم.

ووفقًا لتقارير البنك الدولي  هناك مرونة في الأقتصاد الأردني وإستدامة في الدين العام ، فـالنمو الاقتصادي المتواضع (2.3-2.8%) لم يعكس تحسناً ملموساً في معيشة الأفراد بل ازدادت المديونية لتلامس 20 مليار دولار ، وهذا يرجع للتضخم والبطالة وإنخفاض معدلات القوى العاملة بين الإناث وانخفاض متوسط الدخل للأسر الاردنية مما يجعلها بدائرة إنفاق أقل إنعكس على المعيشة من قلة فرص العمل إلى ضُعف القطاع الخاص مرورًا بالفجوة بين متوسط الدخل ومتوسط الإنفاق مما يجعل العبئ في تزايد على الأسر والدولة وشبكات الحماية الاجتماعية .

وفي هذا الإطار لا بد من القول أن موجات التقسيط واللجوء إلى القروض والديون ليست حكرًا على الطبقات الفقيرة ، إنما امتدت لتطول الطبقات الأخرى من المجتمع كالطبقة الوسطى وبالنظر إلى طبيعة المقترضين  فحتى الموظفين والعاملين يجدون أنفسهم في دوامة من الإلتزامات المالية لحفظ مستواهم من الدنو وبهذا المعدل اصبحت الديون العدسة الكاشفة لتراجع قدرة الدخل وحده في مواجهة الإلتزامات على اختلافها ، ولا بد من التطرق الى أنه ليس بالضرورة أن نُظهر القروض بموقف سلبي بحت ، على العكس فهي تمكن الأفراد من توجيه نفقاتهم بما يتناسب مع قدرتهم عن طريق توزيعها على فترات زمنية أطول وبشكل مرن إلا أن المشكلة تثور عند تحول التقسيط من خيار إلى ضرورة ملحة ونمط مستدام قد يؤدي إلى إختلال الوضع المعيشي في حال التعرض لقوة قاهرة كمرض شديد ، فقدان عمل أو عوارض صحية واقتصادية مما يحد قدرة الأسر على مواجهة ما استجد من ظروف وعلى قدرتها على الادخار بشكل عام .

ومن زاوية اخرى، فكثرة اللجوء إلى التقسيط تسلط الضوء على برامج الحماية الإجتماعية في الأردن وعلى دورها في تقليص الفجوة عن طريق تقديم برامج من شأنها دعم الأسر الفقيرة التي تغيرت أساليب معالجتها لنفقاتها نتيجة الضغوط الإقتصادية رغبةً في التكيف مع ارتفاع تكاليف الحياة دون أن تكون هذه الأساليب مرتبطة بتحقيق رفاه إضافي او تحسن ملموس  ، فهذه البرامج لا تزال تواجه ضغوط متزايدة في تلبية إحتياجات الأفراد الأساسية في ضل حقيقة كونها لا تستطيع إخراج الأفراد من دائرة الفقر او منع المزيد من الولوج إليها ، مما يجعل الديون تكتسب دلالات تتعدى القرارات المالية للأفراد .

ولا تنفصل هذه الظاهرة عن حوار أعمق يناقش كيفية إدارة الضغوط السياسية وهو ما تناولته ورقة سياسات نٌشرت على منصة الشبكة العربية للباحثات والباحثبن الشباب في مجال الحقوق الإقتصادية والإجتماعية ،حيث جرى التأكيد أن السياسات المالية لوحدها لا يمكنها تحمل عبء المعيشة ولا بد من تكامل السياسات الاقتصادية مع شبكات الأمان الاجتماعي وسوق العمل بما يعالج الأسباب البنيوية لا الآثار فحسب .

ختامًا قد لا يكون السؤال الأهم هو لماذا يلجأ الاردنيون الى الاقتراض؟ بل لماذا ازداد أعداد المحتاجين إلى الإقتراض للحفاظ على مستوى معيشي عادي لإدارة الحياة اليومية دون أدنى مظاهر الترف والرفاه ، ويمكننا القول أن الديون بينّت لنا حقيقة العلاقة بين الدخل وتكاليف المعيشة بأن الدخل يصل محملاً بديون وإستحقاقات متوجبة الدفع مما يجعل الدخل المستقبلي جزء مخصص لنفقات الحاضر بشكل يغدو معه التقسيط أحد مظاهر الحياة الإقتصادية اليومية للأسر التي يحاول أفرادها التوفيق بين دخل محدود وإحتياجات لا تتوقف عن الإتساع .

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى