لغة البشر والآلات .. كيف يلتقي الدماغ مع الذكاء الاصطناعي؟
التاج الإخباري -
كشفت دراسة علمية جديدة أن الدماغ البشري يبدأ في توقع الكلمات قبل سماعها، معتمداً على سياق الحديث، في آلية تشبه إلى حد كبير الطريقة التي تعمل بها نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية عند توليد النصوص.ويرى الباحثون أن هذا التشابه قد يفتح آفاقاً جديدة لتطوير واجهات التواصل المباشر بين الدماغ والحاسوب، إلى جانب تحسين أساليب تشخيص اضطرابات اللغة والإدراك.
ونُشرت الدراسة في مجلة "نيوروإيميج"، وأجراها فريق بحثي ضم نيكول كولبل، وكونستانتينوس تزيريديس، وأندرياس ماير، وتيودروس كينفي، وريكاردو تشافارياغا، وأخيم شيلينغ، وباتريك كراوس الذي قاد الدراسة.
كيف اختبر الباحثون الدماغ؟
سعى الباحثون إلى الإجابة عن سؤال أساسي في علوم اللغة والأعصاب يتمثل في معرفة ما إذا كان فهم اللغة يعتمد على توقع الكلمات قبل سماعها، أم أن الدماغ يعالجها فقط بعد وصولها.
وللتحقق من ذلك، راقب الفريق النشاط العصبي لـ29 متطوعاً أثناء استماعهم إلى كتاب صوتي، بدلاً من استخدام كلمات منفردة أو جمل قصيرة كما هو متبع في العديد من الدراسات السابقة، بهدف محاكاة الطريقة الطبيعية التي يعالج بها الإنسان اللغة في حياته اليومية.
واستخدم الباحثون تقنيتي تخطيط كهربائية الدماغ وتخطيط الدماغ المغناطيسي، اللتين تتيحان تسجيل النشاط العصبي بدقة زمنية عالية، ثم قارنوا النتائج بالتوقعات التي تولدها نماذج الذكاء الاصطناعي للكلمات التالية داخل النص.
وأظهرت النتائج أن الدماغ يبدأ نشاطه قبل نطق الكلمة فعلياً، ما يؤكد أنه يبني توقعات مسبقة بشكل مستمر أثناء متابعة الحديث.
كما بينت الدراسة أن الكلمات المتوقعة تولد استجابة عصبية أقل، لأن الدماغ يكون قد استعد لها مسبقاً، في حين تؤدي الكلمات غير المتوقعة إلى نشاط عصبي أكبر نتيجة الحاجة إلى إعادة تفسير السياق وتحديث التوقعات بسرعة.
ورصدت أجهزة القياس نشاطاً استباقياً في مناطق الفص الجبهي والصدغي الأيسر قبل ظهور الكلمات، فيما سجلت المناطق المرتبطة بالحركة نشاطاً أكبر عند مواجهة كلمات أقل قابلية للتوقع، ما يشير إلى استخدام الدماغ آليات إضافية لمعالجة المفاجآت اللغوية.
تشابه مع الذكاء الاصطناعي
توصل الباحثون إلى أن هذا النمط يشبه بصورة كبيرة الطريقة التي تعتمدها نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية، والتي تقوم على توقع الكلمة التالية استناداً إلى الكلمات السابقة.
ومع ذلك، شدد الفريق على أن هذا التشابه لا يعني أن الدماغ والذكاء الاصطناعي يعملان بالطريقة نفسها، إذ يعتمد الدماغ على شبكات عصبية بيولوجية وإشارات كهربائية وكيميائية، بينما تستند نماذج الذكاء الاصطناعي إلى عمليات حسابية واحتمالات رياضية تنفذ عبر معالجات إلكترونية.
وقال باتريك كراوس إن أكثر ما أثار اهتمام الفريق هو احتمال أن يكون الدماغ ونماذج الذكاء الاصطناعي ينظمان اللغة داخلياً وفق مبادئ متقاربة.
من جهته، أوضح أخيم شيلينغ أن الوصول إلى نتائج متشابهة لا يعني تطابق آليات العمل بين النظامين، لكنه قد يشير إلى وجود مبادئ مشتركة في معالجة المعلومات.
تطبيقات طبية وتقنية
يرى الباحثون أن فهم الكيفية التي يتوقع بها الدماغ الكلمات يمكن أن يسهم في تطوير أدوات جديدة لتشخيص اضطرابات اللغة والإدراك، وتصميم علاجات لغوية أكثر تخصصاً، إضافة إلى تحسين واجهات الاتصال المباشر بين الدماغ والحاسوب.
كما قد تساعد النتائج في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة وشفافية، مستوحاة من الطريقة التي يعالج بها الدماغ البشري اللغة، بما يعزز أداء الأنظمة اللغوية مستقبلاً.
ويخطط الفريق البحثي في المرحلة المقبلة لاختبار إمكانية تطبيق المبادئ التي كشفتها الدراسة في مجالات أوسع، بهدف الاستفادة منها في الطب العصبي وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستوحاة من عمل الدماغ البشري.
الرجاء الانتظار ...