الحوارات: غزة .. ألف يوم من العزلة والموت

التاج الإخباري -

بقلم: د. منذر الحوارات.

لم يكن السابع من أكتوبر يوماً عادياً بالنسبة للفلسطينيين، بل انفجاراً لغضب تاريخي تراكم منذ العام 1948، عندما خسروا أرضهم بقرار أممي، وما تلاه من إبادة جماعية وتهجير واحتلال مستمر، في ذلك اليوم، شعروا أنهم استعادوا المبادرة لأول مرة في تاريخهم الطويل، احتفلوا به كلحظة انتصار تاريخية، لحظة كسر لمشروع أخرجهم وهجرهم من أرضهم، وهذا يفسّر لماذا يُستقبل أي نقد لتلك اللحظة بحساسية مفرطة، لأنهم يرون فيه نقداً لمعاناتهم التاريخية، أكثر من كونه نقداً للعملية ذاتها، لقد اعتقدوا أن العالم بكل قوانينه وقوته سينتصر لهم ويتفهم مظلوميتهم وأسباب غضبهم وانفجارهم التاريخي، لكن هذا لم يحدث.

في المقابل، نجحت إسرائيل خلال ساعات بتحويل نفسها من موقع القوة العسكرية والسياسية المدانة إلى موقع الضحية المظلومة، نجحت في جعل العالم ينظر إلى السابع من أكتوبر باعتباره بداية القصة، لا حلقة من حلقاتها الطويلة، اختزلت عقوداً من الاحتلال والظلم والتهجير في يوم واحد، وروّجت بنجاح بأن كل إبادتها للفلسطينيين واحتلالها للأراضي كانت دفاعاً مشروعاً عن النفس، نجحت بكسب معركة السردية بسرعة أكبر بكثير من نجاحها في كسب معركة الميدان.
حوّلت إسرائيل حماية مواطنيها إلى خطة ممنهجة للتدمير الانتقامي الشامل، حوّلت الأمن إلى انتقام لا مثيل له، والحرب من ملاحقة المسؤولين عن الهجوم إلى معاقبة شاملة لسكان غزة بأكملهم، بموجب هذا الحق المزعوم في الدفاع عن النفس، اختفت مدن كاملة، وتحولت إلى أكوام ركام، آلاف العائلات مُحيت من السجلات المدنية، ملايين عاشوا النزوح مراراً وتكراراً، حوّلت الجوع إلى أداة حرب إستراتيجية، والماء والدواء والغذاء إلى أدوات ضغط سياسية، والسؤال: ما الذي يجعل الانتقام مستمراً بعد تدمير معظم القدرات العسكرية؟ هل تريد إسرائيل إنهاء حماس أم إعادة تشكيل غزة على طريقتها؟ ما يجري على الأرض يوحي بأن القطاع يُراد له أن يصبح أرضاً وركاماً.
وما يزيد المأساة قسوة هو العجز الدولي، الشامل على كل المستويات: الأمم المتحدة، مجلس الأمن، فشل القانون الدولي الذي فقد هيبته تماماً، حتى محطات التلفاز التي أصرت على نقل المشهد بتفاصيله، حوّلت صور الموت والدمار إلى مشهد روتيني، جعل العالم يعتاد على المأساة، وهذا أخطر ما يصيب العالم، التكرار جلّدَ الضمير العالمي وأفقده القدرة على الصدمة والاستنكار، وحوّل ألم الفلسطيني إلى مجرد رقم ضحايا يومي على نشرات الأخبار.
أما الولايات المتحدة، وهي القوة الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل، فقد انحازت كلياً للرواية الإسرائيلية، ووقفت إلى جانبها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ولم تستخدم نفوذها لوقف الانتقام الإسرائيلي، بل استخدمت ذريعة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وتغاضت تماماً عن جرائمها بحق المدنيين العُزل، كان بإمكانها أن تكون قوة توازن حقيقية، لكنها اختارت أن تكون قوة إسناد ودعم مباشر لإسرائيل.
وفي المقابل، لا يمكن لأي مراجعة مسؤولة أن تتجاهل سؤالاً مؤلماً: هل كانت الكلفة التي ستدفعها غزة محسوبة بدقة؟ فالشعوب الواقعة تحت الاحتلال قد تلجأ إلى القوة تعبيراً عن غضبها، لكن مسؤولية القيادات أن توازن بين عدالة القضية وكلفة الوسيلة، فالانتصار المعنوي يفقد كثيراً من معناه إذا كانت كلفته مدينة بأكملها، وربما آن الأوان لأن تصبح حماية الإنسان الفلسطيني هدفاً لا يقل قداسة عن مقاومة الاحتلال، خاصة إذا كان تهجيره يمثل أحد أبرز أهداف السياسة الإسرائيلية.
وتواصل إسرائيل استخدام سلاح حماس ذريعة لتعطيل الإغاثة وإعادة الإعمار، رغم أن القانون الدولي لا يجيز ربط حق المدنيين في الغذاء والدواء والماء بأيّ خلاف سياسي أو عسكري، ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل جعل كل هذا التدمير إسرائيل أكثر أمناً؟ هل اختفت المقاومة؟ وهل اقترب السلام؟ الواقع لا يشير إلى شيء من ذلك، بل يوحي بأن جيلاً جديداً يولد بين الأنقاض، مثقلاً بالغضب والرغبة في الثأر.
لقد غفر العالم لإسرائيل غضبها بعد السابع من أكتوبر، لكنه لم يحاول أن يفهم غضب الفلسطيني الذي سبق ذلك التاريخ بعقود، تعامل مع إسرائيل باعتبارها ضحية تستحق التعاطف، فيما نظر إلى الفلسطيني بوصفه متهماً لا يستحق حتى تفسير ألمه، وإذا كان النظام الدولي قد فقد القدرة على رؤية الإنسان في غزة، فلن يكون قادراً على صناعة سلام حقيقي، لقد آن الأوان لوقف منطق الانتقام، وإعادة الاعتبار لقيمة حياة الإنسان الفلسطيني، قبل أن يكتشف العالم أن ألف يوم من العزلة والموت لم تكن سوى مقدمة لمأساة أكبر، لأن الفلسطينيين قرروا ألا يستسلموا، ولأن إسرائيل ما زالت أسيرة وهم القوة والانتقام، سيبقى هذا الجرح مفتوحاً، حتى يفهم العالم أن شعباً يُدفن تحت الركام لا يموت، بل يورّث ألمه لجيلٍ تلو آخر.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى