من قلب الطوارئ .. معركة صامتة يخوضها الأطباء وتوجيهات وزارية تنعكس في الميدان
التاج الإخباري -
خاص ْخلف أبواب أقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية، تدور يوميا معركة حقيقية لا يراها كثيرون. عشرات المرضى يتوافدون في الوقت ذاته، وحالات متفاوتة الخطورة، وضغط متواصل يفرض على الكوادر الطبية أن تعمل بأقصى طاقتها، في سباق مع الزمن لإنقاذ الأرواح.
خلال الأيام الماضية، وبحكم تواجدي المتكرر في أحد المستشفيات الحكومية، شاهدت صورة مختلفة تماما عن تلك التي قد تصل إلى الناس، ففي إحدى الليالي، كان في قسم الطوارئ أكثر من 32 طبيبا مناوبا، ورغم هذا العدد، لم يكن هناك أي وقت للراحة أو التوقف، الجميع كان يتحرك باستمرار، طبيب يفحص مريضاً، وآخر يقدم الإسعافات الأولية، وثالث يتابع نتائج الفحوصات، ورابع ينسق تحويل الحالات إلى الأقسام المختصة، في مشهد يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
ورغم وجود هذا العدد من الأطباء، فإن حجم الاكتظاظ كان كبيرا، إذ تجاوزت أعداد المراجعين قدرة القسم على الاستيعاب في بعض الأوقات، ما أدى إلى انتظار بعض المرضى دورهم، خاصة أن الأولوية في أقسام الطوارئ تكون دائما للحالات الحرجة التي تحتاج إلى تدخل فوري.
وخلال وجودي، لفت انتباهي جانب آخر من المشهد، وهو تعامل بعض المرضى أو مرافقيهم مع الكوادر الطبية. فمن الطبيعي أن يعيش المريض أو ذووه حالة من القلق والخوف، وقد تدفعهم تلك المشاعر إلى رفع الصوت أو الانفعال أو الاعتراض على تأخر دورهم، وهي مشاعر يمكن تفهمها في ظل الألم والخوف على حياة عزيز.
إلا أن ما شاهدته أن الأطباء كانوا يتعاملون مع هذه المواقف بكثير من الصبر وضبط النفس، فلم أر طبيبا يرفع صوته في وجه مريض أو مرافق، بل كانوا يكظمون غيظهم، ويواصلون أداء واجبهم، مدركين أن من يقف أمامهم يتحدث بدافع الخوف والوجع قبل أي شيء آخر.
وربما لا يدرك كثيرون أن طبيب الطوارئ قد يكون مسؤولا في اللحظة نفسها عن عشرات الحالات، وأن تأخره عن مريض لا يعني تجاهله، وإنما قد يكون منشغلا بإنقاذ حياة مريض آخر يحتاج إلى تدخل عاجل، تلك هي طبيعة العمل داخل أقسام الطوارئ، حيث تفرض الأولويات الطبية نفسها، ويكون إنقاذ حياة إنسان مقدما على أي اعتبار آخر.
وما شاهدته خلال تلك الأيام جعلني أزداد قناعة بأن الكوادر الطبية في مستشفياتنا الحكومية تستحق كل الاحترام والتقدير. فهم يعملون تحت ضغط هائل، ويتحملون مسؤولية إنسانية كبيرة، ويواصلون أداء رسالتهم رغم الإرهاق والانفعالات التي يواجهونها يوميا.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال الجهود التي تبذلها وزارة الصحة بقيادة معالي وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور في تطوير المنظومة الصحية، وتعزيز قدرات المستشفيات الحكومية، بما ينعكس على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وما شاهدته من وجود هذا العدد من الأطباء المناوبين، واستمرار العمل بتنظيم واضح رغم الضغط الكبير، يعكس اهتماما بتعزيز جاهزية المستشفيات ودعم كوادرها، وهي جهود تستحق التقدير، مع أهمية مواصلة العمل على توفير المزيد من الإمكانات لمواكبة الزيادة المستمرة في أعداد المراجعين.
هذه ليست محاولة لتجميل الواقع، فالقطاع الصحي لا يزال يواجه تحديات وضغوطا كبيرة، لكن الإنصاف يقتضي أن ننقل الصورة كما هي. فمن حق المريض أن يتلقى أفضل رعاية ممكنة، ومن حق الطبيب أيضا أن يحظى بالاحترام والتقدير وهو يؤدي واجبه في ظروف استثنائية.
وبين هذا وذاك، تبقى المستشفيات الحكومية خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين، وتبقى الكوادر الطبية جنودا مجهولين يستحقون كلمة شكر، لأنهم في كل يوم يخوضون معركة صامتة هدفها الأول والأخير إنقاذ حياة الإنسان.
الرجاء الانتظار ...