عندما تمتد يد السياسة إلى الملاعب

التاج الإخباري -

 موفق الرياحنة.

لم يعد الجدل الدائر حول قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم بتعليق عقوبة إيقاف المهاجم الأمريكي فلورين بالوغان مجرد نقاش تحكيمي عابر، بل تحوّل إلى سؤال أكبر يمس جوهر اللعبة: هل ما زالت كرة القدم تُدار بقوانين الملعب وحدها، أم أن السياسة باتت قادرة على طرق أبواب القرار الرياضي متى شاءت؟

القضية بدأت ببطاقة حمراء تلقاها بالوغان في مباراة الولايات المتحدة أمام البوسنة والهرسك، وهي بطاقة كان يفترض أن تعني إيقافه تلقائيًا لمباراة واحدة. لكن فيفا قرر لاحقًا تعليق تنفيذ العقوبة لمدة عام تحت المراقبة، ما فتح الباب أمام مشاركته في مواجهة بلجيكا، وذلك بعد تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واتصاله برئيس فيفا جياني إنفانتينو لطلب مراجعة القرار.

من الناحية القانونية، حاول فيفا تغليف القرار بنصوص لوائحه، لكن من الناحية الأخلاقية والرياضية بدا المشهد مربكًا. فحين يأتي الطلب من رئيس دولة، وخصوصًا دولة تستضيف البطولة وتملك ثقلًا سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا هائلًا، يصبح من الصعب إقناع الجماهير بأن المسألة بقيت محصورة في الإطار الفني وحده.

الأخطر من القرار نفسه هو ما يفتحه من أبواب. فإذا كان بالإمكان تعليق عقوبة بطاقة حمراء في كأس العالم تحت ضغط سياسي أو عبر اتصال رفيع، فما الذي يمنع اتحادات أخرى من طرق الباب ذاته؟ وما الذي يمنع فرنسا اليوم، أو غيرها غدًا، من المطالبة بمراجعة بطاقة صفراء أو عقوبة انضباطية بحجة العدالة والمساواة في المعاملة؟

وهنا لا بد من التمييز بين حق المنتخبات في الاعتراض القانوني على القرارات، وهو حق مشروع ومفهوم، وبين تحويل النفوذ السياسي إلى أداة ضغط على المؤسسات الرياضية. فالرياضة لا تفقد عدالتها دفعة واحدة، بل تبدأ بالتآكل عندما يشعر المتابع أن قوة الدولة أو قربها من مراكز القرار قد يمنحها ما لا يُمنح لغيرها.

كرة القدم كبرت لأنها أقنعت الفقير والغني، والصغير والكبير، أن الملعب وحده هو الحكم. لذلك فإن أي قرار استثنائي لا يُشرح بشفافية كاملة يضرب الثقة في البطولة، حتى لو كان القرار صحيحًا من الناحية الفنية.

ليست المشكلة في بالوغان وحده، ولا في أوليسيه وحده، ولا في منتخب بعينه. المشكلة في المبدأ: هل تبقى القوانين واحدة على الجميع، أم تصبح قابلة للتمديد والتأويل عندما يدخل أصحاب النفوذ على الخط؟

الفيفا اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن يثبت أن قراراته الانضباطية مستقلة وشفافة وتخضع لمعايير واضحة لا تتغير بتغير أسماء المنتخبات، وإما أن يفتح بابًا خطيرًا يجعل كل بطاقة وكل عقوبة محل شك وتأويل.

في النهاية، العدالة الرياضية لا تحتاج فقط إلى قرار صحيح، بل تحتاج إلى قرار يراه الناس صحيحًا ونزيهًا وخاليًا من الضغط. وحين تهتز هذه الصورة، تهتز معها هيبة اللعبة كلها.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى