الدويري يكتب: في حزيران تتعانق في ذاكرة الوطن ثلاثة معانٍ كبرى صنعت حكايته ورسخت مكانته بين الأمم: الثورةالعربية والقيادة الهاشمية والجيش العربي

التاج الإخباري -

بقلم: اللواء م. فراس الدويري.

فحين نستذكر ذكرى الثورة العربية الكبرى، فإننا لا نفتح صفحةً من كتاب التاريخ، بل نعود إلى اللحظة التي وُلدت فيها الفكرة. تلك الفكرة التي حملها الشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، حين رفع راية الحرية والكرامة والنهضة، مؤمناً بأن الأمة التي تفقد إرادتها تفقد مستقبلها، وأن الإنسان لا يصنع مجده إلا إذا امتلك حقه في الحرية وكرامة العيش.

ومن رحم تلك الفكرة وُلد الأردن لا باعتباره حدوداً على خريطة، بل مشروع دولة ورسالة وطن. دولة قامت على الاعتدال حين غلب التطرف، وعلى الحكمة حين ساد الاضطراب، وعلى الثبات حين تهاوت مشاريع كثيرة تحت وطأة الأزمات والعواصف.

وحين نحتفل بعيد الجلوس الملكي، فإننا لا نحتفل بتاريخٍ على رزنامة، بل نستحضر معنى الاستمرارية في دولةٍ لم تنقطع فيها مسيرة البناء. فمنذ أن تولى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مسؤولية قيادة الوطن، والأردن يشق طريقه وسط إقليمٍ متقلب كمن يسير بين الرياح وهو متمسك ببوصلةٍ لا تخطئ الاتجاه.

وفي زمنٍ تصدعت فيه خرائط، وتعثر فيه كثير من الرهانات، بقي الأردن واقفاً كجبلٍ يعرف جذوره ويعرف إلى أين يتجه. لم يكن ذلك صدفة، بل ثمرة قيادةٍ أدركت أن قوة الدولة لا تقاس بضجيج الخطاب، بل بقدرتها على الصمود والإنجاز وحماية مصالح شعبها في أصعب الظروف.

فالقيادة ليست سلطةً تُمارس، بل أمانةٌ تُحمل، وليست موقعاً يُشغَل، بل مسؤوليةٌ تاريخية تتجدد كل يوم. ولهذا كان عيد الجلوس الملكي مناسبةً لاستحضار معنى الدولة حين تتجسد في رؤية، ومعنى الوطن حين يقوده من يؤمن به ويعمل من أجله.

أما الجيش العربي المصطفوي ، فهو السيف الذي ظل مشهراً في وجه الأخطار، والدرع الذي احتمى به الوطن كلما اشتدت العواصف. فإذا كانت الثورة قد أطلقت الفكرة، والقيادة قد رسمت الطريق، فإن الجيش كان الحارس الأمين الذي صان الإنجاز وحمى المسيرة وحفظ للأردن أمنه واستقراره.

جيشٌ لم يتعلم الانتماء من الشعارات، بل من ميادين الواجب. ولم يكتب تاريخه بالحبر، بل بالعرق والدم والتضحية. فكان عنواناً للشرف العسكري، ومدرسةً في الولاء والانضباط، وركناً ثابتاً من أركان قوة الدولة وهيبتها.

إن اجتماع هذه المناسبات الوطنية الثلاث ليس مصادفةً في التاريخ، بل اختصارٌ بليغ لقصة الأردن كلها؛ ثورةٌ أنجبت الفكرة، وقيادةٌ واصلت البناء، وجيشٌ وأجهزة أمنية حمت الرسالة.

ولهذا سيبقى حزيران أكثر من شهرٍ في الذاكرة الأردنية؛ سيبقى شاهداً على أن الأوطان العظيمة لا تقوم على القوة وحدها، ولا على الأحلام وحدها، بل على التقاء الفكرة الصادقة بالقيادة الحكيمة والإرادة التي لا تعرف الانكسار.

وسيظل الأردن أكبر من مساحة الأرض وأعمق من حدود الجغرافيا؛ لأنه وطنٌ قامت أركانه على رسالة، وقاد مسيرته رجال دولة، وحرسه جيشٌ لم يعرف يوماً إلا طريق الشرف.

حفظ الله الأردن عزيزاً منيعاً، وحفظ قيادته الهاشمية، وأبقى رايته خفاقةً في السماء، عاليةً كما كانت دائماً... وأعلى من الريح.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى