الشملان يكتب: الجريمة في الأردن .. ناقوس خطر يستدعي المواجهة قبل فوات الأوان
التاج الإخباري -
بقلم: ماجد الشملانلم تعد الجرائم التي تشهدها الساحة الأردنية خلال الفترة الأخيرة مجرد حوادث فردية عابرة، بل أصبحت أحداثًا تفرض نفسها على الرأي العام وتثير تساؤلات جدية حول التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع.
فمع كل جريمة قتل جديدة أو مشاجرة تنتهي بإزهاق الأرواح، يعود السؤال ذاته: لماذا تتكرر هذه المشاهد؟ وهل نحن أمام ظاهرة تستوجب وقفة وطنية شاملة؟
لقد شكّلت الجرائم التي شهدتها المملكة في الأيام والأسابيع الأخيرة صدمة حقيقية للمجتمع الأردني فجرائم القتل الناتجة عن خلافات عائلية أو نزاعات شخصية أو مشاجرات آنية تكشف عن مستوى مقلق من العنف والانفعال وفقدان القدرة على احتواء الخلافات بطرق حضارية وقانونية وما يزيد من خطورة هذه الجرائم أن بعضها وقع داخل الأسرة نفسها، وهي المؤسسة التي يفترض أن تكون الحصن الأول للأمان والاستقرار.
إن قراءة متأنية لهذه الأحداث تكشف أن الجريمة لا تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات معقدة ومتشابكة. فالضغوط الاقتصادية التي يعيشها جزء من المجتمع، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة بين الشباب، والشعور بالإحباط تجاه المستقبل، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة خصبة للتوتر والعنف وعندما تترافق هذه الظروف مع ضعف الوعي القانوني أو غياب مهارات إدارة الخلافات، تصبح احتمالية وقوع الجريمة أكبر.
ولا يمكن إغفال التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في نقل تفاصيل الجرائم إلى كل منزل خلال دقائق معدودة ورغم أهمية الإعلام في نقل الحقيقة، فإن التغطية المستمرة للأحداث الدموية قد تخلق حالة من الخوف الجماعي وتؤثر في الشعور العام بالأمان، خصوصًا عندما تتحول بعض الجرائم إلى مادة يومية للنقاش والتداول.
ورغم خطورة المشهد، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن الأردن ما زال يتمتع بمستوى أمني متقدم مقارنة بالعديد من دول المنطقة، وأن الأجهزة الأمنية أثبتت كفاءة عالية في كشف الجرائم وملاحقة مرتكبيها خلال فترات زمنية قصيرة فقد لعبت مديرية الأمن العام دورًا محوريًا في تعزيز الأمن المجتمعي، من خلال سرعة الاستجابة للحوادث وتطوير أدوات البحث الجنائي واستخدام التقنيات الحديثة في تتبع الجناة وكشف ملابسات الجرائم.
إلا أن مواجهة الجريمة لا يمكن أن تعتمد على الحل الأمني وحده. فالجريمة في جوهرها قضية مجتمعية قبل أن تكون قضية أمنية. ومن هنا يبرز دور الدولة بمختلف مؤسساتها في معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة فالحكومة مطالبة بتعزيز فرص العمل وتحسين الظروف الاقتصادية، والمؤسسات التعليمية مطالبة بترسيخ قيم التسامح والحوار واحترام القانون، كما أن المؤسسات الدينية والثقافية مطالبة بإعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي تحصّن المجتمع من العنف والتطرف السلوكي.
كذلك تتحمل الأسرة مسؤولية كبيرة في بناء شخصية متوازنة وقادرة على إدارة الضغوط والخلافات. فالكثير من الدراسات تؤكد أن التفكك الأسري وضعف الرقابة والتوجيه من بين العوامل التي تزيد من احتمالية الانحراف والسلوك الإجرامي، خاصة لدى فئة الشباب إن أخطر ما في الجريمة ليس عدد الضحايا فقط، بل الأثر النفسي والاجتماعي الذي تتركه في المجتمع. فكل جريمة قتل تهز ثقة الناس بالأمان، وتزرع الخوف في النفوس، وتدفع المجتمع إلى التساؤل عن مستقبل الأجيال القادمة.
ولهذا فإن التعامل مع الجريمة يجب أن يكون من خلال رؤية وطنية شاملة تقوم على الوقاية قبل العقاب، والتنمية قبل الردع، ومعالجة الأسباب قبل الاكتفاء بملاحقة النتائج.
في النهاية، يبقى الحفاظ على الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فالأمن لا تصنعه الأجهزة الأمنية وحدها، بل تصنعه الأسرة الواعية، والمدرسة الفاعلة، والإعلام المسؤول، والمواطن الذي يدرك أن احترام القانون وحماية السلم المجتمعي هما أساس استقرار الوطن وبينما تواصل الدولة جهودها في مكافحة الجريمة، يبقى الرهان الحقيقي على بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
حمى الله الأردن وقائده وشعبه العظيم
الرجاء الانتظار ...