الزعبي يكتب: الاردن ما بين الأمن المائي والأمن المالي؟

التاج الإخباري -

البرفسور عبدالله سرور الزعبي.

في أحد قاعات الاجتماعات، جلس مسؤولون حول طاولة طويلة تتكدس فوقها خرائط لمرور الأنابيب ومخططات "الناقل الوطني". كانت الأرقام تُقرأ بهدوء، لكن ثقلها الحقيقي كان أكبر من أن يُقال بصوت مرتفع، او ان يعرض على الشاشات للجميع؛ مليارات تتراكم، وقروض تمتد لعقود. قال أحدهم بصوت خافت "لا خيار آخر، الناس تحتاج الماء". ثم عمّ الصمت، وكأن الجميع يدرك أن كلفة القرار لن تُدفع اليوم، بل سترافق أجيالًا كاملة. وبقي السؤال معلّقًا في الهواء: كيف يمكن تحقيق الضرورة الوطنية بأقل كلفة ممكنة، لا تحويل الضرورة إلى مبرر لأي كلفة مهما بلغت؟
ومن هنا، يأتي تصريح وزير المياه حول احتمال ارتفاع مديونية سلطة المياه إلى نحو 15 مليار دينار بعد تنفيذ المشروع، كأحد أثقل التصريحات الاقتصادية في السنوات الأخيرة؛ ليس بسبب التشكيك في ضرورة المشروع، بل لأن حجم الأرقام يفتح أسئلة اقتصادية واجتماعية عميقة لا يمكن التعامل معها بالشعارات أو الصمت.
في الدول الفقيرة مائيًا، لا تبدأ الأزمة مع شحّ الماء، بل حين تتحول إدارة العطش إلى اقتصاد قائم على الديون، فيصبح المواطن مطالبًا بدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها. عندها لا يعود السؤال: كيف نوفر الماء؟ بل: من سيدفع الكلفة، ومتى؟
ولا خلاف على أن الأردن يواجه أزمة مائية معقدة جعلت المياه قضية سيادية ترتبط بالاستقرار الوطني. ومن هنا يأتي مشروع الناقل الوطني كخيار استراتيجي يتجاوز كونه مشروعًا خدميًا، نحو تعزيز استقلال الدولة مائيًا وتقليل هشاشتها في منطقة أصبحت فيها المياه جزءًا من معادلات النفوذ والبقاء، وانسجامًا مع التوجيهات الملكية بحماية الأمن المائي وتعزيز قدرة الدولة على الإنجاز والاستقرار.
لكن هنا تبدأ المعضلة الكبرى؛ فالأردن يقف أمام مفارقة قاسية، المشروع، ضرورة سيادية لحماية الأمن المائي، لكنه يرفع مديونية سلطة المياه، وفق تصريحات وزير المياه إلى قرابة 15 مليار. والأخطر أن كل مرحلة للمشروع، تحمل تقديرات أعلى من السابقة، والكلف تتضخم باستمرار وسط غياب نقاش وطني عميق حول آليات التمويل والعبء الذي سيتحمله الاقتصاد والمواطن لعقود. فحتى المشاريع السيادية تحتاج إلى عقل اقتصادي بارد، لأن الدول لا تُستنزف بالحروب وحدها، بل أيضًا بثقل الديون والفوائد حين تصبح القروض أداة دائمة لتعويض الاختلالات البنيوية بدل أن يستند التمويل إلى اقتصاد إنتاجي قادر على حمل كلفته المستقبلية.
أن أزمة المياه في الأردن، ليست نتاج الطبيعة وحدها، بل أيضًا حصيلة تراكمات إدارية طويلة من الفاقد المائي وضعف البنية التحتية وتأخر الاستثمار في إعادة التدوير والحصاد المائي. فحين تُهدر كميات كبيرة من المياه قبل وصولها للمواطن، تبدو الدولة كمن يقترض لبناء خزان أكبر بدل إصلاح الثقوب أولًا. لذلك لا يمكن التعامل مع المشاريع المليارية كحل وحيد، دون معالجة أسباب الهدر والفشل الإداري المزمن.
القلق لا يتعلق بأهمية المشروع، فالمشروع في غاية الاهمية، بل بقدر ما يتعلق بتضخم كلفته؛ فوفق التصريحات الرسمية، ارتفعت التقديرات من نحو 3.66 مليار دولار عام 2023 إلى قرابة 5.8 مليار دولار عام 2026 مع كلف التمويل، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع، ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول الكلفة النهائية التي سيتحملها الاقتصاد الأردني.
وهنا يصبح من الضروري النظر إلى التجارب العالمية بالأرقام الموثقة لا بالشعارات؛ فمحطة رأس الخير في السعودية تنتج نحو 1050 مليون متر مكعب سنويًا، وخطوط نقل بطول 1290 كيلومترًا، بكلفة 7.2 مليار دولار، بينما تنتج محطة الفجيرة 381 مليون متر مكعب سنويًا، وبكلفة تقارب 700 مليون دولار، ومحطة الطويلة، تنتج نحو 330 مليون متر مكعب سنويًا بكلفة 874 مليون دولار، وكذلك محطة الدار البيضاء (قيد الانشاء لانتاج 300 مليون متر مكعب سنويًا بكلفة 887 مليون يورو (حوالي مليار دولار)، وهناك غيرها من المحطات (موثقة).
وهنا، السؤال، هل هذه الارقام صحيحة ام هي من الخيال. وفي حال تم الاقرار بانها صحيحة، فان كافة التجارب العالمية تبين بان تكلفة المحطة لوحدها، يجب ان لا تتجاوز مليار دولار.
كما تشير مراجعات أسعار أنابيب النقل بقطر 2.2 متر إلى أن الكلفة للمواد والتركيب حوالي 3000 دولار للمتر الواحد، ما يضع تكلفة تمديد الأنابيب لمسافة 450 كيلومترًا بحدود 1.35 مليار دولار.
أما محطة الطاقة الشمسية بقدرة 300 ميغاواط، فُقدَّرت كلفتها باقل من 300 مليون دولار (هناك معلومات تقول أن العقد وُقّع بكلفة تقارب 146 مليون دولار)، إضافة إلى حوالي 150 مليون دولار لخطوط نقل الطاقة، ليبلغ إجمالي قرابة 300 مليون دولار.
أما المرافق الأخرى، كمحطات الضخ والخزانات والأعمال البحرية وأنظمة التحكم، وغيرها، فتُقدَّر كلفتها بنحو 700 مليون دولار. وبذلك قد يصل إجمالي كلفة المشروع حوالي 3.55 مليار دولار. ما لم تكن هناك بنود إضافية غير معلنة، او اننا مع الكثير من المختصين نجهلها.
وهو رقم قريب جدًا من التقديرات التي اعلن عنها، وزير المياه السابق، والبالغة 3.66 مليار دولار.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يشغل الرأي العام: ما طبيعة هذه الفجوة الرقمية؟ هل هي تضخم طبيعي في كلف التمويل، أم اختلاف في منهجيات التقدير والحساب؟ وهي أسئلة يُفترض كشفها بالكامل انسجامًا مع توجيهات جلالة الملك في تعزيز الشفافية والحوكمة.
وبحسب البيانات المعلنة، خصصت الحكومة، نحو 722 مليون دينار (ما يقارب 1.02 مليار دولار) للمشروع، إضافة إلى منح بقيمة 663 مليون دولار. كما تشير تقارير عام 2023 (موثقه)، إلى قروض تنموية بنحو 803 ملايين دولار وقروض استثمارية تقارب 1.455 مليار دولار من جهات دولية متعددة، ليصل إجمالي التمويل المتوفر إلى نحو 3.9 مليار دولار (تفوق كلفة المشروع)، دون احتساب مساهمات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
وهنا يبرز سؤال جوهري حول دور المطوّر وحجم مساهمته الفعلية في المشروع، إذ لا يتعلق الأمر بالتشكيك بالأرقام بقدر ما يتعلق بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة. فمع اتساع حجم الكلفة، يحق للأردنيين الاطلاع على تفاصيل التمويل ونسب الفوائد والعوائد والالتزامات المستقبلية على الدولة.
ثم تبرز معضلة تعرفة المياه؛ إذ تشير التصريحات الرسمية إلى أن كلفة المتر المكعب على الحكومة تبلغ 2.7 دولار، وهي الكلفة الثابتة للمياه على مدى 26 عامًا لتغطية التشغيل والتمويل والعوائد الاستثمارية. وبحسب هذه الأرقام، فإن شراء 300 مليون متر مكعب سنويًا، تساوي 810 ملايين دولار، منها نحو 360 مليون دولار تشغيلية، فيما يذهب ما يقارب 450 مليون دولار سنويًا لخدمة الدين والعوائد الاستثمارية وحقوق الملكية، وهي حوالي 11.7 مليار دولار، خلال سنوات العقد.
وهنا يبرز سؤال اخر: هل هذه العوائد مبررة، وما حجم المخاطر التي ستتحملها الحكومة؟ وهو سؤال يستدعي وقفة جدية قبل توقيع اتفاقية الإغلاق المالي، وقبل أن يتحول المشروع إلى التزام مالي يثقل كاهل الدولة لسنوات.
كما لا يمكن إغفال ملف الفاقد المائي، الذي يبلغ وفق اخر التصريحات الرسمية نحو 42%، مع توقع انخفاضه إلى 35%، مع نهاية المشروع، ما يعني استمرار هدر يقارب 100 مليون متر مكعب سنويًا، بكلفة تصل إلى نحو 270 مليون دولار (حسب الخطة الاستراتيجية سيكون الفاقد عام 2040 حوالي 20%، مما يعني، فاقد حوالي 60 مليون متر، وكلفتها حوالي 162 مليون دولار). ويضاف إليها، نحو 150 مليون دولار سنويًا ككلفة لنقل وتوزيع المياه، ما يضاعف العبء المالي على المنظومة المائية.
وبذلك قد تصل الكلفة الفعلية للمتر المكعب على الحكومة إلى نحو 4.1 دولار، في حين يبقى متوسط سعر البيع للمشتركين أقل بكثير (نحو 0.8 دينار للمتر المكعب و0.5 دينار للصرف الصحي). وبحسب هذه المعطيات، لن تتجاوز إيرادات الحكومة من مياه الناقل الوطني نحو 260 مليون دينار (حوالي 367 مليون دولار) سنويًا بعد احتساب الفاقد وقيمة الدعم الحالي.
وهذا يعني فجوة مالية سنوية قد تصل إلى نحو 863 مليون دولار (اذا استمرت)، ما يضع عبئًا ماليًا طويل الأمد على الخزينة العامة.
لكن هذه الأرقام تفتح أسئلة أعمق: هل تستطيع الدولة والمجتمع تحمّل هذه الكلفة مستقبلًا؟ وهل سيستمر الدعم، أم يتحول العبء تدريجيًا إلى المواطن عبر الفواتير والضرائب؟
وفي هذا السياق تصبح الحوكمة والشفافية عنصرًا حاسمًا، انسجامًا مع الرؤية الملكية التي تؤكد أن قوة الدولة تقوم على سيادة القانون والمساءلة، وأن المشاريع الكبرى لا تُقاس بحجم البنية التحتية فقط، بل بقدر الثقة العامة التي تولدها. مما يعمق المعضلة الاجتماعية؛ فالدين العام لا يبقى في الأرقام، بل ينعكس على حياة الناس اليومية. وفي ظل إرهاق اقتصادي وتآكل الطبقة الوسطى، فإن أي نموذج يرفع الكلفة دون رفع الإنتاجية يوسع الفجوة بين الحكومة والمجتمع.
لذلك يحتاج الأردن إلى نقاش وطني أعمق من الاحتفاء بالمشاريع الكبرى فقط؛ نقاش يعيد صياغة فلسفة الإدارة، عبر تقليل الهدر، وربط التسعير بالكفاءة والعدالة، ومحاسبة التقصير، وضبط تضخم الكلف، وتحويل ملف المياه من استهلاك إلى إنتاج وتنمية.
فأخطر ما يواجه الدول ليس الفقر وحده، بل شعور المواطنين بأنهم يتحملون كلفة أخطاء لا يملكون تغييرها.
وفي النهاية، فإن دعم مشروع الناقل الوطني لا يرتبط فقط بكونه مشروعًا مائيًا استراتيجيًا، بل بكونه جزءًا من الرؤية الوطنية التي يؤكد عليها جلالة الملك في تعزيز الأمن المائي ورفع قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية، وقناعتنا الشخصية كذلك.
لكن ييبقى السؤال الأهم: لماذا لا يكون الناقل الوطني، وطنيًا بالفعل؟ سؤال يفتح نقاشًا أوسع حول فلسفة إدارة المشاريع الكبرى؛ فبدل التعقيدات البيروقراطية وسلاسل الوساطة التي ترفع الكلفة، يمكن التوجه الى تجزئة المشروع (بناء المحطة، وخطوط النقل) واستقطاب الشركات العالمية المتخصصة، وسبق لها ان نفذت مشاريع تحلية كبرى في السعودية والخليج والمغرب، وبكلفة معروفة، مع الحفاظ على سيادة القرار والرقابة، لا الدخول في تفاصيل التنفيذ. وفي المقابل، يمكن للقطاع المحلي أن ينفذ الأعمال المدنية والبنية التحتية بما يعزز قدراته دون تحميله ما يفوق طاقته.
عندها يصبح الناقل، مشروعًا يُدار بالعقل الاستراتيجي، لا بعبء التنفيذ الكامل.
وفي الوقت ذاته، فإن الالتزام بتوجيهات جلالته لا يقتصر على تنفيذ المشاريع الكبرى فحسب، بل يشمل أيضًا إدارتها وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والكفاءة والمساءلة، بما يضمن تعظيم الفائدة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي شرق أوسط يزداد عطشًا واضطرابًا، قد يصبح السؤال الأهم في المستقبل ليس: من يملك الماء فط؟ بل: من يستطيع تامينه، دون أن يفقد استقراره الاقتصادي والاجتماعي؟




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى