الطوفان الدرامي في رمضان .. هل يدفع الأطفال ثمن المشاهدة المكثفة؟

التاج الإخباري -

لينا الناصر

استشارية أسرية لـ “التاج”: الدراما ليست وسيلة ترفيه بل تعمل على تشكيل وعي الطفل بمفاهيم الأسرة

مع حلول شهر رمضان وبدء عرض الأعمال الدرامية على الشاشات العربية، تتجدد المنافسة التلفزيونية يومياً داخل المنازل ولساعات طويلة، في مشهد يحظى بحضور كثيف خلال الشهر الفضيل. هذا الزخم الدرامي يضع الأطفال في تماس مباشر مع محتوى متنوع تتباين مضامينه بين ما يعزز قيماً إيجابية، وما يتضمن مشاهد عنف وصراعات أسرية حادة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول التأثيرات النفسية والسلوكية المحتملة على الفئات العمرية المختلفة في ظل كثافة المشاهدة.

الاستشارية الأسرية حنين البطوش أكدت أن تأثير الدراما الرمضانية على الأطفال يتضاعف مع الطوفان الدرامي الذي يكتسح الشاشات، موضحة أن الأطفال يمتلكون قابلية عالية للتأثر بالتقليد، وأن المشاهدة المتكررة لمشاهد العنف أو النزاعات قد تعوّد الطفل على استخدام القوة لحل الخلافات، أو تغرس لديه فكرة أن التوتر والصراعات المستمرة أمر طبيعي داخل الأسرة. وأشارت إلى أن الأثر السلوكي قد يظهر في صورة عدوانية بسيطة أو قلق وتوتر، ما يستدعي متابعة دقيقة من الأهل وعدم ترك المشاهدة دون توجيه.

وأضافت في حديثها لـ “التاج الإخباري” أن الدراما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل تؤدي دوراً في إعادة تشكيل وعي الطفل بمفاهيم الأسرة والعلاقات والنجاح، مبينة أن تصوير الشخصيات التي تتحلى بالقوة والسيطرة أو تتجاوز القيم الأخلاقية قد يغرس مفاهيم مغلوطة حول السلطة داخل الأسرة أو المجتمع. ولفتت إلى أن قدرة الطفل على الفصل بين الدراما والواقع تختلف بحسب العمر والنضج العقلي؛ فالأطفال الأصغر سناً يميلون إلى تصديق ما يشاهدونه، في حين يمتلك المراهقون قدرة أكبر على التفكير النقدي إذا توفر لهم توجيه عائلي يساعدهم على التحليل والفهم.

وشددت البطوش على أن اختيار ما يُشاهَد عائلياً خلال رمضان يجب أن يخضع لمعايير نفسية وتربوية واضحة تراعي ملاءمة المحتوى لعمر الطفل، وتعكس قيماً إيجابية مثل التعاون والتسامح، وتوفر مساحة للحوار الأسري وتنمية مهارات النقاش. كما دعت إلى الاطلاع المسبق على ملخصات الأعمال وتقييماتها لمعرفة مستوى العنف والرسائل الأخلاقية التي تتضمنها، بما يمنع التعرض لمضامين غير مناسبة ويجعل المشاهدة أكثر أماناً ووعياً.

وفي ما يتعلق بالمسؤولية، أكدت أن حماية الأطفال لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل تشمل أيضاً صناع الدراما والقنوات التلفزيونية، مشيرة إلى أن تقديم محتوى يروّج للعنف أو للعلاقات الأسرية المختلة دون معالجة واعية قد يترك آثاراً كبيرة على الأطفال، ما يستوجب وجود تصنيفات عمرية واضحة وتحذيرات قبل عرض المشاهد الحساسة، إلى جانب محتوى توعوي يشرح السياق للمشاهدين. ومع ذلك، تبقى الأسرة الحصن الأول من خلال المتابعة والنقاش وتقديم التفسيرات التي تساعد الطفل على التمييز بين التمثيل والواقع.

وأوضحت أن التأثير لا يقتصر على العمل الدرامي ذاته، بل يمتد إلى الإعلانات والمحتوى الرقمي المصاحب عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي قد تحمل قيماً استهلاكية أو صوراً نمطية للجمال أو ترويجاً غير مباشر للعنف العاطفي، مؤكدة أن الأطفال يتأثرون بهذه الرسائل بسهولة، ما يجعل متابعة هذا المحتوى جزءاً أساسياً من عملية الحماية والتوجيه.

وبيّنت أن الأطفال يميلون إلى التعلق بالشخصيات المحببة وتقليد سلوكياتها وأسلوب حديثها، وأن الشخصيات التي تلجأ إلى العنف أو الخداع لتحقيق أهدافها قد تتحول إلى نماذج غير مناسبة للاقتداء، الأمر الذي يعزز ضرورة شرح الفارق بين الواقع والتمثيل وتقديم بدائل إيجابية يمكن الاسترشاد بها. كما أشارت إلى أن كثافة متابعة الدراما خلال رمضان قد تؤثر في النوم والتركيز والتحصيل الدراسي، ما يجعل تنظيم جدول مشاهدة مناسب للعمر خطوة ضرورية لتقليل الآثار السلبية وتحويل التجربة إلى نشاط أسري متوازن يعزز التفاعل بين الأهل والأبناء.

وأكدت أن التأثير النفسي يتباين وفق المراحل العمرية؛ فالأطفال بين السادسة والعاشرة يتأثرون مباشرة بالمشاهد ويحتاجون إلى تفسيرات مبسطة ومقارنات واقعية، بينما يمتلك المراهقون بين الحادية عشرة والسابعة عشرة قدرة أكبر على التفكير النقدي، إلا أنهم يظلون عرضة لتقليد السلوك الاجتماعي أو الانسياق وراء الضغط الجماهيري، موضحة أن فهم هذه الفروق يمكّن الأهل من تخصيص المشاهدة وتقديم توجيه نفسي ملائم لكل فئة.

ورغم التحذيرات، لم تدعُ البطوش إلى المنع المطلق، بل إلى تحويل مشاهدة الدراما إلى فرصة تعليمية ونقدية عبر إشراك الأطفال في نقاشات حول قرارات الشخصيات والقيم التي تجسدها، وربط الأحداث بحياة الطفل اليومية وتعليمه كيفية التعامل مع الصراعات والعواطف بطريقة صحية ومتوازنة، وتعزيز التفكير النقدي من خلال مناقشة الرسائل الاجتماعية والأخلاقية الكامنة خلف الأحداث، بما يحول الشاشة إلى منصة لبناء وعي نفسي واجتماعي متوازن وترسيخ قيم التواصل والذكاء العاطفي.

وفي سياق حديثها، استحضرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمساً قبل خمس…”، تذكيراً بأهمية استثمار الوقت فيما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته، محذرة من الإفراط في إضاعة الوقت أمام وسائل الترفيه على حساب أنشطة أكثر فائدة، ومؤكدة أن التربية الواعية تقوم على تنظيم الوقت وتعويد الأطفال على استثماره فيما يعود عليهم وعلى أسرهم بالنفع، مع ضرورة أن يكون الأهل قدوة في ذلك.

في المحصلة، يتشكل تأثير الدراما الرمضانية على الأطفال وفق طبيعة المحتوى ومرحلة النمو وطريقة التوجيه الأسري، وبين احتمالات التأثير السلبي وفرص البناء الإيجابي، يظل الوعي العامل الحاسم في إدارة العلاقة بين الطفل والشاشة خلال الشهر الفضيل.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى