حراسة العمارات .. فرصة جديدة لتشغيل الأردنيين

التاج الإخباري -

مع اتساع قاعدة الباحثين عن فرص عمل في الأردن، تتجه الأنظار إلى مهن قائمة بالفعل ويمكن تطويرها لتصبح مسارات وظيفية أكثر استقراراً للأردنيين، ومن بينها مهنة حراسة العمارات، التي ترتبط بحاجات يومية ومتزايدة لدى الأبنية السكنية والتجارية والمجمعات. فالمطلوب اليوم ليس النظر إلى هذه المهنة باعتبارها مجرد وظيفة لحماية المبنى، وإنما البحث في إمكانية تطوير نموذج متكامل للخدمة يستفيد من حاجة السوق إليها، ويوفر في الوقت ذاته فرصاً مناسبة للشباب الباحثين عن العمل.

وتكمن الفكرة في إعادة بناء المهنة على أسس تجعلها أكثر وضوحاً واستقراراً، بحيث يعرف الشاب منذ دخوله إليها طبيعة العمل الذي سيقوم به، وما يحصل عليه من أجر وحقوق، وما يمكن أن يتطور إليه مستقبلاً من مهارات وخبرات.

كما أن تنظيم هذا القطاع يمكن أن يفتح المجال أمام نماذج تشغيل جديدة، سواء من خلال الورديات أو الشركات المتخصصة، بدلاً من النموذج التقليدي الذي يعتمد على وجود حارس واحد في العمارة بصورة شبه دائمة.

ويشير إلى أن طبيعة المهنة ارتبطت اجتماعياً لفترة طويلة بصورة العامل الذي يقوم بأعمال متعددة تتجاوز الحراسة، مثل النظافة والخدمات والصيانة البسيطة، ما جعلها أقل جاذبية للشباب الأردني.

ويرى الفناطسة أن هذا الواقع ليس مستحيلاً تغييره، وأن المطلوب إعادة تعريف المهنة باعتبارها وظيفة خدمية منظمة، وليس مجرد عمل فردي داخل العمارة، وذلك من خلال تحديد مهام الحارس بوضوح، ووضع حد أدنى عادل للأجر، وتنظيم ساعات العمل والراحة والإجازات، وإخضاع العامل للضمان الاجتماعي والتأمين ضد إصابات العمل، مع توفير التدريب الأساسي في السلامة والأمن والتعامل مع الطوارئ.

ويؤكد إمكانية تطوير المهنة لتصبح مناسبة لفئات مختلفة من الأردنيين، خصوصاً من يبحثون عن عمل مستقر وقريب من أماكن السكن، أو لمن لديهم خبرة في الأمن والخدمات، مشيراً إلى أن تنظيمها بصورة صحيحة يمكن أن يحولها من مهنة هامشية وغير منظمة إلى وظيفة خدمية لها حقوق ومسار مهني واضح.

ويعتبر الفناطسة أن النموذج الأفضل يتمثل في الانتقال من علاقة العمل غير الرسمية بين مالك العمارة أو لجنة السكان والحارس إلى عقد عمل واضح ومكتوب، يحدد الأجر وساعات العمل وطبيعة المهام والإجازات وآلية إنهاء الخدمة.

وفي موضوع الأجر، يرى ضرورة ألا يكون الراتب أقل من الحد الأدنى القانوني للأجور، مع إمكانية إضافة بدل عن المهام الإضافية أو العمل في أوقات الليل أو العطل، وفقاً لطبيعة العقد والقانون. أما ساعات العمل، فيجب ألا تبقى مفتوحة على مدار 24 ساعة، فالحارس عامل له حق في ساعات عمل محددة وراحة يومية وأسبوعية وإجازات، ويمكن معالجة الحاجة إلى وجود حراسة مستمرة من خلال نظام الورديات أو أكثر من عامل في العمارات الكبيرة.

ويؤكد أن إدخال العامل في مظلة الضمان الاجتماعي والتأمينات والحماية العمالية أمر أساسي، بحيث لا يفقد حقه في التقاعد أو إصابات العمل أو المنافع التي يوفرها النظام القانوني. كما يمكن وضع نموذج عقد موحد خاص بحراس العمارات، يصدر بالتنسيق بين الجهات الحكومية المعنية وممثلي أصحاب العمارات والعمال.

ويرى أن تنظيم المهنة يحمي الطرفين معاً؛ فالحارس يحصل على حقه، وصاحب العمارة يحصل على عامل واضح المهام والالتزامات. ويمكن لمأسسة المهنة أن تحقق هدفين في وقت واحد، هما خلق فرص عمل للأردنيين وتنظيم سوق عمل موجود أصلاً لكنه يعمل في جزء منه خارج الأطر الرسمية.

ويشدد الفناطسة على أن النجاح لا يكون بمنع العمالة غير الأردنية فقط، وإنما بجعل العامل الأردني يجد في هذه المهنة أجراً عادلاً، وساعات عمل إنسانية، وضماناً اجتماعياً، واحتراماً مهنياً واستقراراً وظيفياً، وعندها تصبح المنافسة قائمة على جاذبية الوظيفة لا على مجرد قرارات المنع أو الإحلال.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي في شؤون العمال أحمد عوض أنه من المهم عند مناقشة مهنة حارس العمارة ألا ننطلق من افتراض أن وجود العمالة المهاجرة فيها يمثل بحد ذاته مشكلة. ففي مختلف دول العالم هناك مهن وقطاعات تتركز فيها العمالة المهاجرة بدرجات مرتفعة، بسبب طبيعة هذه المهن من جهة، وخصائص العمال المهاجرين من جهة أخرى، وخاصة قدرتهم على التكيف مع ساعات العمل والمهام المتنوعة وما يستجد عليها، واستعدادهم للقيام بأعمال إضافية قد لا تكون محددة مسبقاً ضمن مهام حراس العمارات المتعارف عليها.

ويشير عوض إلى أن هذه الخصائص تظهر بوضوح في مهنة حارس العمارة في الأردن، إذ إن الحارس لا يقوم عادة بالحراسة فقط، بل يتولى تنظيف المرافق المشتركة، ومتابعة بعض أعمال الصيانة والخدمات اليومية، إلى جانب أعمال إضافية يقدمها مباشرة لسكان العمارة، مثل غسيل السيارات أو تنفيذ بعض المهمات الخاصة، ويحصل مقابلها على أجور أو أتعاب إضافية، فضلاً عما يعرف بـ«الإكراميات».

ويرى أن القضية ليست مجرد زيادة أعداد الأردنيين في هذه المهنة أو إحلال عامل أردني مكان عامل مهاجر، وإنما فهم طبيعتها وإعادة تنظيمها بطريقة تجعلها أكثر مهنية واستقراراً وجاذبية لمن يرغب من الأردنيين في العمل بها، مع المحافظة على حقوق العمال العاملين فيها سواء كانوا أردنيين أم غير أردنيين.

ويقترح تحقيق ذلك من خلال تعريف واضح للمهنة ومهامها الأساسية، وتنظيم ساعات العمل والراحة والإجازات، وتوفير الضمان الاجتماعي والحماية من إصابات العمل، إلى جانب التدريب على السلامة العامة والإسعافات الأولية وأنظمة المراقبة والصيانة البسيطة.

كما يمكن للحكومة والبلديات ونقابات أصحاب العمل وشركات إدارة العقارات، وفق عوض، تطوير نماذج أكثر مرونة، بحيث يكون الهدف الأساسي مأسسة المهنة وتحويلها إلى عمل منظم ولائق ومستقر، وليس التعامل مع العمالة المهاجرة باعتبارها سبباً لمشكلة سوق العمل.

ويبين أن المهنة تقوم في كثير من الحالات على إقامة العامل في العمارة ووجوده شبه الدائم فيها، دون تحديد واضح لساعات العمل والراحة الأسبوعية، مع تداخل مهام الحراسة والنظافة والصيانة والخدمات المختلفة، وفي ظل أجور لا تتناسب غالباً مع طول فترة الارتباط بمكان العمل.

ولذلك، يؤكد أن الدعوة إلى إحلال الأردنيين محل العمالة الوافدة في هذه المهنة لن تنجح بمجرد تقييد تشغيل غير الأردنيين، وإنما تتطلب أولاً إعادة تصميم الوظيفة نفسها، وتحويلها من نمط يقوم على وجود العامل على مدار الساعة إلى وظيفة محددة المهام وساعات العمل والأجر والحقوق.

ويمكن، وفق أبو نجمة، مأسسة المهنة من خلال نموذج مهني واضح يقوم على تحديد وصف وظيفي لحارس العمارة، وساعات عمل وفترات راحة محددة وفق قانون العمل، وأجر يتناسب مع طبيعة المسؤوليات ولا يقوم على اعتبار السكن بديلاً عن الأجر، مع الشمول الفعلي بالضمان الاجتماعي والتأمين ضد إصابات العمل وتوفير شروط السلامة والصحة المهنية.

وفي العمارات الكبيرة والمجمعات السكنية، يمكن الانتقال إلى نظام الورديات بدلاً من الاعتماد على عامل واحد مقيم ومتواجد بصورة دائمة، أو إسناد الخدمة إلى شركات متخصصة ومرخصة تشغّل حراساً أردنيين بعقود عمل نظامية وتوفر لهم التدريب والإشراف والبدلاء أثناء الإجازات والراحة الأسبوعية.

ويشدد أبو نجمة في الوقت نفسه على أهمية ألا تؤدي المأسسة إلى تحميل سكان العمارات تكاليف تجعل النموذج غير قابل للتطبيق، ولذلك يمكن تطوير صيغ تشجع التشغيل المنظم، بما فيها تقاسم الخدمة بين أكثر من عمارة متقاربة حيثما كان ذلك ممكناً، وربط أي حوافز حكومية لتشغيل الأردنيين باستدامة الوظيفة وجودتها وليس بمجرد توفير فرصة عمل مؤقتة.

ويرى أن تنظيم هذا النشاط يمكن أن يفتح مجالاً إضافياً لتشغيل الأردنيين، وخاصة الباحثين عن عمل الذين تتناسب قدراتهم مع وظائف الحراسة والخدمات المساندة، لكنه لا ينبغي تقديمه باعتباره حلاً كمياً للبطالة بقدر ما هو نموذج لما نحتاجه في سياسة الإحلال بصورة عامة، أي تحسين الوظيفة أولاً ثم تشجيع الأردني على الالتحاق بها.

ويؤكد أن المشكلة في كثير من المهن التي تتركز فيها العمالة الوافدة ليست عزوف الأردنيين عن العمل فقط، وإنما تدني شروط العمل واتساع العمل غير المنظم. وهنا يمكن للحكومة ووزارة العمل والبلديات ونقابات وجمعيات أصحاب العقارات والإسكان أن تتعاون لوضع إطار منظم للمهنة، وتحديد متطلباتها ومعاييرها المهنية، وتوفير برامج تدريب قصيرة، وتشجيع تأسيس شركات متخصصة، وضمان الالتزام بقانون العمل والضمان الاجتماعي.

وبذلك، فإن تحويل حراسة العمارات إلى فرصة عمل جاذبة للشباب الأردني يتطلب النظر إليها كخدمة لها سوق وحاجة مستمرة، وليس كوظيفة مؤقتة مرتبطة بالإقامة داخل المبنى. فكلما أصبح العمل أكثر تنظيماً، وأوضح من حيث المهام والأجر وساعات الدوام، وأفضل من حيث التدريب والحماية الاجتماعية، ازدادت فرص أن يجد الشاب الأردني فيه خياراً مهنياً يمكن الاعتماد عليه.

وتبقى الخطوة الأهم في هذا الاتجاه هي بناء نموذج تشغيل قادر على الجمع بين حاجة العمارات إلى الحراسة والخدمات، وحق العامل في وظيفة لائقة ومستقرة، بحيث لا يكون المطلوب فقط استبدال العمالة الوافدة بالأردنية، بل إعادة صياغة المهنة نفسها لتصبح جديرة بأن يختارها الشباب الأردني الباحث عن فرصة عمل. فإذا نجحت عملية التنظيم والمأسسة، يمكن لحراسة العمارات أن تتحول من مهنة محدودة الجاذبية إلى مجال يوفر وظائف مستقرة، ويفتح باباً جديداً أمام الباحثين عن العمل، ويقدم في الوقت ذاته خدمة أكثر مهنية للسكان وأصحاب العقارات.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى