مسودة دستور جديدة في كازاخستان ترسم ملامح تحول سياسي وقانوني عميق

التاج الإخباري -

في المشرق العربي، ينظر الصحافيون والخبراء والأكاديميون باهتمام متزايد إلى التجربة الإصلاحية في كازاخستان، باعتبارها نموذجاً معاصراً لمحاولات تحديث الدولة عبر أدوات دستورية وقانونية واضحة. وفي هذا السياق، كشفت جمهورية كازاخستان عن المسودة الأولى لدستور جديد بعد مسار إصلاحي استمر عدة أشهر، في خطوة تُعد الأوسع منذ اعتماد دستور عام 1995، وتعكس توجهاً نحو إعادة بناء الإطار الدستوري للدولة بصورة شاملة وممنهجة.

انطلقت عملية الإصلاح الدستوري رسمياً في 8 سبتمبر 2025 خلال الخطاب السنوي للرئيس قاسم جومارت توكاييف، حين طرح فكرة إعادة ضبط النظام السياسي عبر الانتقال إلى برلمان أحادي الغرفة ضمن حزمة إصلاحات أوسع. وفي أكتوبر 2025 شُكِّلت مجموعة عمل متخصصة لمراجعة النظام البرلماني، وأجرت خلال ستة أشهر دراسة موسعة تلقت خلالها أكثر من 2000 مقترح مكتوب من المواطنين عبر منصتي e-Otinish و eGov الحكوميتين.

وفي يناير 2026 أُنشئت لجنة دستورية تضم 130 عضواً يمثلون مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، من بينهم أعضاء في الكورولتاي الوطني، وخبراء قانونيون، ومسؤولون حكوميون، وممثلون عن الإعلام والمجالس المحلية والمجتمع المدني. وقد درست اللجنة تعديلات تمس 77 مادة دستورية تمثل نحو 84% من نص الدستور القائم، ما قاد عملياً إلى قرار إعداد نص دستوري جديد بالكامل بدلاً من الاكتفاء بالتعديلات الجزئية. كما عُقدت اجتماعات اللجنة بصورة علنية وبُثّت مباشرة، بمشاركة قانونيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وبرلمانيين وأكاديميين.

وعلى مستوى النظام السياسي، تقترح المسودة إنشاء برلمان أحادي الغرفة باسم «الكورولتاي» يضم 145 نائباً يُنتخبون وفق نظام التمثيل النسبي الكامل لمدة خمس سنوات، مع توسيع صلاحياته التشريعية والرقابية بهدف تعزيز دور الأحزاب السياسية وترسيخ المساءلة المؤسسية. كذلك تنص المسودة على تأسيس «مجلس الشعب» كأعلى هيئة استشارية وطنية تمثل المصالح المجتمعية وتملك حق المبادرة التشريعية، إلى جانب استحداث منصب نائب الرئيس لتمثيل الدولة والتفاعل مع المؤسسات السياسية والعلمية والثقافية داخل البلاد وخارجها.

وفي الجانب القانوني، يعزز مشروع الدستور الضمانات الإجرائية والحقوقية بصورة غير مسبوقة، من خلال نص دستوري صريح يحمي مهنة المحاماة، وتوسيع حماية الملكية الفكرية، ومنع تطبيق القوانين بأثر رجعي إذا كانت تفرض التزامات جديدة أو تُسيء للوضع القانوني للمواطن، وترسيخ قرينة البراءة دستورياً، وحظر المحاكمة المزدوجة عن الجرم نفسه، إضافة إلى تكريس قاعدة إبلاغ المتهم بحقوقه القانونية عند التوقيف ضمن النص الدستوري.

ويتكون مشروع الدستور من ديباجة جديدة كلياً و11 قسماً و95 مادة، ويؤكد مجموعة من القيم الأساسية، أبرزها أن الشعب هو المصدر الوحيد للسلطة والسيادة، وأن السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي والطابع الوحدوي للدولة مبادئ غير قابلة للتغيير. كما يضع حقوق الإنسان وحرياته في صدارة البناء الدستوري للمرة الأولى منذ مستوى الديباجة، ويربط التنمية طويلة المدى بمجالات التعليم والعلوم والثقافة والابتكار باعتبارها محركات رئيسية للنمو بدلاً من الاعتماد الحصري على الموارد الطبيعية. وللمرة الأولى أيضاً، يُدرج المشروع حماية الحقوق في البيئة الرقمية وصون البيانات الشخصية ضمن الضمانات الدستورية.

كما يؤكد النص الطبيعة العلمانية للدولة والفصل الواضح بين الدين ومؤسسات الحكم، مع تعريف الزواج دستورياً بوصفه اتحاداً طوعياً متكافئاً بين رجل وامرأة في إطار حماية القيم الاجتماعية وتعزيز الضمانات القانونية للأسرة.

وفي المرحلة المقبلة، تستمر المشاورات العامة إلكترونياً عبر المنصات الحكومية، على أن يُحسم اعتماد الدستور من خلال استفتاء وطني شامل، بينما تواصل اللجنة الدستورية أعمالها لمراجعة الصيغة النهائية قبل طرحها للتصويت الشعبي. وبالنسبة لنا في المشرق العربي، كصحافيين وخبراء وأكاديميين، فإن متابعة هذه التجربة الدستورية الكازاخية تمثل فرصة مهمة لفهم نماذج الإصلاح المؤسسي التدريجي في الدول الصاعدة، واستشراف الدروس التي يمكن أن تسهم في دعم مسارات التحديث القانوني والسياسي في منطقتنا.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى