الأردن .. عقود من احتضان اللاجئين رغم محدودية الموارد

التاج الإخباري -

لم يكن اللجوء إلى الأردن يوماً حدثاً عابراً أو أزمة مؤقتة، بقدر ما كان جزءاً من تاريخ الدولة الحديثة وواقعها الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي، فعلى امتداد العقود الماضية ظل الأردن وجهة لعشرات الآلاف ثم لملايين الأشخاص الذين أجبرتهم الحروب والصراعات والاضطرابات السياسية على مغادرة أوطانهم والبحث عن ملاذ آمن.

ومع الاحتفال باليوم العالمي للاجئين في 20 حزيران من كل عام، يبرز الأردن بوصفه أحد أكثر الدول تحملاً لأعباء اللجوء قياساً لعدد سكانه وإمكاناته الاقتصادية المحدودة. فمنذ نكبة فلسطين عام 1948، مروراً بنكسة عام 1967، ثم موجات اللجوء القادمة من لبنان والعراق واليمن والسودان وسورية، حافظ الأردن على سياسة الباب المفتوح، مستنداً إلى اعتبارات إنسانية وقومية جعلت من استقبال اللاجئين جزءاً من نهجه السياسي ودوره الإقليمي.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الأردن يستضيف نحو 2.4 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وأكثر من 436 ألف لاجئ مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من جنسيات مختلفة، غالبيتهم من السوريين، إلى جانب مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين الذين لا يندرجون ضمن سجلات الوكالتين الأمميتين.

وتضع هذه الأرقام الأردن في مقدمة دول العالم من حيث استضافة اللاجئين نسبة إلى عدد السكان، إذ تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن المملكة تعد ثاني أكبر دولة مستضيفة للاجئين مقارنة بعدد المواطنين بعد لبنان، فيما تصبح من أكبر الدول المستضيفة للاجئين عالمياً إذا أُخذ اللاجئون الفلسطينيون بعين الاعتبار.

وعلى الرغم من محدودية الموارد وشح المياه والتحديات الاقتصادية المزمنة، لم يتغير الموقف الأردني تجاه اللاجئين. فقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني مراراً أن استضافة اللاجئين ليست مجرد التزام قانوني أو استجابة ظرفية للأزمات، بل تعبير عن قيم راسخة في المجتمع الأردني، مشدداً على أن الأردن لا يمكنه أن يدير ظهره للأشخاص الذين فروا من الحروب والاضطهاد، مع التأكيد على ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه الدول المستضيفة.

وخلال السنوات الماضية، أصبحت قضية اللجوء مرتبطة بشكل مباشر بمختلف القطاعات الحيوية في المملكة، حيث رفعت الزيادة السكانية الطلب على المياه والطاقة والتعليم والصحة والإسكان والنقل، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأردني من محدودية الموارد وارتفاع معدلات البطالة والدين العام.

وأكد وزير تطوير القطاع العام الأسبق الدكتور ماهر المدادحة أن الأردن يمثل حالة فريدة عالمياً في تعامله مع اللجوء، إذ استقبل موجات متعاقبة من اللاجئين على مدى عقود طويلة، مشيراً إلى أن اللجوء السوري يعد الأكثر تأثيراً على المملكة في العصر الحديث.

وأوضح أن استقبال اللاجئين لم يكن قراراً سهلاً من الناحية الاقتصادية، لكنه جاء انطلاقاً من الرسالة القومية والإنسانية للأردن، مبيناً أن استمرار وجود أعداد كبيرة من اللاجئين لسنوات طويلة فرض ضغوطاً متزايدة على المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وسوق العمل.

من جانبه، قال الخبير في شؤون اللجوء زيان زوانة إن سياسة الأردن تجاه اللاجئين ترتبط بالإرث التاريخي للدولة الأردنية والقيادة الهاشمية، مؤكداً أن المملكة لم تغلق أبوابها أمام اللاجئين، بل تعاملت معهم بوصفهم أشقاء يحتاجون للحماية والدعم.

وأشار إلى أن الأردن نجح في دمج مكونات سكانية متعددة داخل المجتمع والدولة، وأثبت قدرة على إدارة التنوع والحفاظ على التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي، رغم ما ترتب على استضافة اللاجئين من أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة.

ووفق كتاب "الانتقال الكبير – الأردن في القرن الحادي والعشرين"، يمتلك الأردن خبرة تاريخية طويلة في استقبال اللاجئين وإدارة شؤونهم، مقرونة بسمعة دولية تؤكد التزامه السياسي والأخلاقي تجاه قضايا اللجوء.

ويشير الكتاب إلى أن الأردن استقبل على مدى تاريخه الحديث موجات متعددة من الهجرات القسرية، شملت الشركس والشيشان والأرمن واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والسوريين، وقدم نموذجاً في التعامل مع هذه الملفات مع الحفاظ على التوازن بين المتطلبات الإنسانية والمصالح الوطنية.

كما يبين أن موجات اللجوء السوري منذ عام 2011 شكلت التحدي الأكبر خلال العقدين الأخيرين، نتيجة الضغوط المتزايدة على الموارد المائية والخدمات العامة والاقتصاد الوطني، إلا أن الأردن استطاع التعامل مع هذا التحدي اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، مع استمرار تقديم الخدمات الأساسية للاجئين وحماية كرامتهم.

ويؤكد الكتاب أن الأردن، بالتعاون مع المجتمع الدولي، طور سلسلة من الخطط الوطنية للتكيف مع موجات اللجوء، ركزت على دعم المجتمعات المستضيفة، وبناء القدرات المؤسسية، ودعم اللاجئين في قطاعات التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والحماية الاجتماعية والطاقة والنقل والتمكين الاقتصادي.

الغد


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى