نقيب المهندسين: المنخفض الأخير كشف ضعف البنية التحتية في الأردن

التاج الإخباري -

شدّد نقيب المهندسين، عبد الله غوشة، على ضرورة إحداث نقلة نوعية في أساليب إدارة وصيانة البنية التحتية في الأردن، داعيًا إلى إنشاء صندوق وطني للإدامة والصيانة يتولى تمويل مشاريع صيانة وتأهيل المنشآت والبنى التحتية التي أظهرت ضعفًا واضحًا خلال المنخفض الجوي الأخير، وما نتج عنه من حوادث وأضرار في عدد من المناطق.

وأكد غوشة أن الحوادث التي شهدتها المملكة في البنية التحتية لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة أو طارئة، بل يجب قراءتها ضمن سياق أوسع يرتبط بتغير أنماط الهطول المطري وتكراره وازدياد شدته خلال فترات زمنية قصيرة، الأمر الذي يستدعي إعادة تقييم شاملة لسياسات التخطيط والتصميم والصيانة.

وبيّن أن ما حدث خلال الهطولات المطرية الأخيرة ليس حالة استثنائية، بل تكرار لسيناريوهات سابقة، مشيرًا إلى أن التغير المناخي وتأثيراته ليست جديدة على الأردن أو العالم، إذ بدأ العمل المؤسسي عالميًا بهذا الشأن منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي في قمة الأرض بريو دي جانيرو، وتبعته اتفاقيات دولية متعددة.

وأوضح أن الأردن تأثر خلال ربع القرن الماضي باضطراب الهطولات المطرية وتغير كثافتها ومددها، وازدياد حدة السيول والمجاري المطرية، ما شكّل ضغطًا متزايدًا على البنية التحتية، وأسهم في حوادث بارزة، من بينها غرق وسط مدينة عمّان عام 2015، وحادثة غرق رحلة مدرسية في البحر الميت عام 2019، وما رافقهما من خسائر في الأرواح والممتلكات.

وأشار غوشة إلى أن الاستثمار في الصيانة والإدامة يُعد استثمارًا اقتصاديًا مباشرًا، موضحًا أن الدراسات الهندسية العالمية تؤكد أن كل دينار يُنفق على الصيانة الوقائية يوفر ما يقارب أربعة دنانير من كلف الخسائر والمعالجة بعد وقوع الحوادث، سواء كانت مادية أو اجتماعية أو خدمية. ولفت إلى أن نسب الموازنات المخصصة للصيانة في الأردن لم تتجاوز 5 بالمئة، في حين تتجاوز المعايير العالمية 9 بالمئة، وارتفعت في بعض الدول إلى 15 بالمئة نظرًا للتعامل مع التغير المناخي.

وأوضح أن انخفاض موازنات الصيانة يعود إلى الديون والأعباء والعجز المتكرر في موازنات البلديات، مؤكدًا الحاجة إلى عمل وطني تكاملي يدعم منظومة الإدارة المحلية ومعالجة المخاطر، بمعزل عن التحديات المالية التي تواجه كل بلدية على حدة، في ظل تجاوز مديونية البلديات مجتمعة حاجز 600 مليون دينار.

ودعا غوشة إلى وجود جهة تنظيمية وتنسيقية واحدة تُعنى بمتابعة معايير التعامل مع انعكاسات التغير المناخي وتأثيراته على البنى التحتية والمنشآت والمشاريع القائمة والمستحدثة، محذرًا من أن تعدد المرجعيات وتباين التطبيق يضعف كفاءة منظومة السلامة العامة.

وشدد على أهمية توحيد المرجعية الفنية، وربط التخطيط العمراني بالتحليل الهيدرولوجي المستقبلي، خاصة في المناطق الحساسة والمعرضة لمخاطر السيول، مؤكدًا أن حماية الأرواح والممتلكات لا تتحقق فقط عبر تنفيذ مشاريع جديدة، بل من خلال مراجعة جادة لما هو قائم، واتخاذ إجراءات تصحيحية أو وقائية استنادًا إلى دراسات علمية محايدة، وتطوير فلسفة التخطيط الحضري بحيث تركز على المناطق الأقل خطورة.

كما أكد أهمية أنظمة الإنذار المبكر بوصفها عنصرًا أساسيًا في الوقاية من المخاطر، معتبرًا أنها تمثل خط الدفاع الأول في تقليل الخسائر عندما تكون مدمجة ضمن منظومة وطنية لإدارة المخاطر ومدعومة بخطط طوارئ واضحة ومحدّثة.

وأوضح أن التعامل مع حوادث البنية التحتية يجب أن ينتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الإدارة الاستباقية للمخاطر، التي تقوم على التخطيط السليم، والموازنات المستجيبة للأزمات، والتصميم الهندسي المرن، والصيانة المستدامة، والتشريعات الفاعلة.

وأكد غوشة أن نقابة المهندسين، بصفتها بيت خبرة وطني، تدعو إلى اعتبار ما أفرزه المنخفض الجوي الأخير فرصة لمراجعة السياسات وتحديث المعايير، وليس الاكتفاء بمعالجة الأضرار الآنية، مشددًا على أن التغير المناخي يتطلب تطوير أدوات التخطيط والهندسة لتعزيز قدرة البنية التحتية على التكيّف والمنعة.

وختم بالتأكيد على أن الأردن يمتلك الكفاءات والخبرات الهندسية القادرة على تحقيق هذا التحول، شريطة توافر الإرادة المؤسسية، والتنسيق الفاعل، والاستثمار الذكي في الوقاية والصيانة، بما يضمن بنية تحتية آمنة ومستدامة للأجيال المقبلة.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى