من كنيسة حمود إلى استشهاد جواد .. حين يستهدف الفكر التكفيري الدولة والمجتمع
التاج الإخباري -
بقلم المهندس قصي محمد حرب.ليست حادثة استهداف كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك (كنيسة الشهداء)، ولا استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة أثناء تأدية واجبه، مجرد أحداث أمنية منفصلة عن سياقها الوطني والفكري؛ بل إنهما تضعان أمامنا سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الفكر الذي يستهدف الإنسان بسبب معتقده، أو يستبيح دمه بسبب اختلافه، أو ينظر إلى الدولة ومؤسساتها باعتبارها خصماً لا إطاراً جامعاً للمجتمع.
ولا يعني ذلك افتراض وجود ارتباط تنظيمي أو تخطيطي بين الحادثتين قبل أن تقول التحقيقات كلمتها، وإنما يعني قراءة الخطر الفكري الذي يمكن أن تتقاطع نتائجه، مهما اختلفت دوافع مرتكبيه وأدواتهم.
إن استهداف دور العبادة ليس اعتداءً على جماعة دينية بعينها فحسب، بل هو اعتداء على فكرة الأردن التي تشكّلت عبر عقود من الشراكة الوطنية ، فالمسلم والمسيحي لم يكونا يوماً غريبين عن بعضهما، ولم تكن المواطنة امتيازاً تمنحه جماعة لأخرى، بل حقاً أصيلاً ومتساوياً لجميع الأردنيين.
واستشهاد جواد، وهو يؤدي واجبه في حماية المجتمع، يعيد التأكيد على أن الفكر الذي يبدأ بتكفير الآخر وإقصائه لا يتوقف بالضرورة عند حدود الاختلاف الديني أو الاجتماعي، بل قد يمتد ليضع الدولة ومؤسساتها ورجالها في دائرة الاستهداف، باعتبارها تمثل القانون والنظام العام والسيادة الوطنية.
**المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تكفير، والتكفير إلى إقصاء، والإقصاء إلى استباحة للدماء **
ولفهم هذا الخطر، لا بد من العودة إلى جذور الفكر التكفيري ومسارات تشكّله في المنطقة، بما في ذلك التجربة الأردنية مع تيارات السلفية الجهادية، التي برزت فيها شخصيات واتجاهات متعددة، وتقاطعت في مراحل مختلفة مع تنظيمات العنف المسلح، وصولاً إلى تنظيم القاعدة ثم تنظيم داعش.
وقد شهد الأردن محطات مؤلمة في مواجهة هذا الفكر؛ من قضايا التنظيمات الجهادية في تسعينيات القرن الماضي، إلى تفجيرات عمّان عام 2005، مروراً بأحداث الزرقاء عام 2011، ثم تداعيات الحرب السورية وصعود التنظيمات المتطرفة في المنطقة.
لكن من الضروري هنا التمييز بين السلفية بوصفها مدرسة دينية تضم اتجاهات متعددة، وبين السلفية الجهادية، وبين الفكر التكفيري الذي يمنح نفسه حق الحكم على إيمان الآخرين واستباحة دمائهم ، فليس كل سلفي تكفيرياً، وليس كل متدين متطرفاً، ولا يجوز أن تتحول مواجهة الإرهاب إلى اتهام جماعي لتيارات أو شرائح دينية واسعة.
إن المواجهة الجادة لا تكون بتعميم الاتهامات، بل بتسمية الأفكار التي تبرر العنف، ومواجهة الخطاب الذي ينتج الكراهية، وتجفيف المنابع الفكرية والاجتماعية التي تسمح للتطرف بالنمو والتجنيد.
ومن هنا، فإن مسؤولية الدولة لا تقتصر على ملاحقة من ينفذ الجريمة، على أهمية ذلك وضرورته، بل تمتد إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة التطرف؛ تبدأ من التعليم والخطاب الديني والإعلام، ولا تنتهي عند المؤسسات الأمنية والقضائية.
وهذا يتطلب مراجعة جادة لعدد من المسارات، أبرزها:
1. تعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية في مواجهة خطاب التكفير، وترسيخ خطاب ديني معتدل يستند إلى قيم الإسلام ومقاصده في حفظ النفس والكرامة الإنسانية.
2. تطوير المناهج والبرامج التربوية والوطنية بما يعزز قبول الاختلاف، ويؤسس لفهم حقيقي للمواطنة والعيش المشترك.
3. مواجهة التحريض والتجنيد الفكري الذي يبرر العنف أو يحرض على الكراهية، ضمن إطار القانون وضمانات العدالة.
4. مراجعة برامج مكافحة التطرف وإعادة التأهيل، وتقييم نتائجها بصورة مؤسسية، بعيداً عن المعالجات الشكلية والموسمية.
5. تطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو حصانة؛ فلا مرجعية دينية أو اجتماعية أو عشائرية تعلو على سيادة الدولة والقانون.
ومن موقعنا الوطني، فإن الوقوف مع الدولة ومؤسساتها لا يعني الاكتفاء بإدانة الجرائم بعد وقوعها، بل يتطلب دعماً حقيقياً لجهودها في حماية المجتمع، وتعزيز سيادة القانون، ومواجهة كل من يحاول فرض فكره بالقوة أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها؛ فالأحزاب والنخب السياسية والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمع المدني مطالبة بمراجعة خطابها ومواقفها، وعدم ترك المساحات العامة لمنصات التحريض والكراهية والتطرف.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الوطنية، لم يُبنَ على أساس اللون الديني أو المذهبي، بل على وحدة الدولة والمواطنة والانتماء ، وهذه ليست شعارات للاستهلاك السياسي، بل ثوابت ينبغي أن تتحول إلى ممارسة في التعليم والإدارة والتشريع والخطاب العام.
ومن موقع اعتزازنا بهويتنا الإسلامية، فإن الدفاع عن حق المواطن المسيحي في العبادة والأمن والكرامة ليس مجاملة لأحد، بل واجب ديني وأخلاقي ووطني ، فالعيش المشترك ليس مجرد قبول متبادل بين مكونات المجتمع، بل إيمان بأننا شركاء في الوطن، متساوون في الحقوق والواجبات، ومشتركون في المسؤولية عن مستقبله.
إن معركة الأردن مع الفكر التكفيري ليست معركة أمنية فقط، بل معركة وعي وهوية ودولة ، وهي معركة تتطلب وضوحاً في الموقف، وحزماً في تطبيق القانون، وشجاعة في معالجة جذور التطرف، دون تردد أو انتقائية أو تعميم.
فحماية الأردن لا تبدأ من حماية حدوده ومؤسساته فقط، بل من حماية الفكرة التي قام عليها: دولة واحدة، ومواطنة واحدة، وكرامة متساوية لجميع أبنائها في ظل القيادة الهاشمية المظفرة
الرجاء الانتظار ...