هاني الملقي: الدولة العربية القُطرية في خطر .. والأردن ومصر والسعودية قادرة على قيادة مسار جديد

التاج الإخباري -

حذّر رئيس الوزراء الأردني الأسبق، الدكتور هاني الملقي، من تراجع الوضع العربي وتزايد التدخلات الإقليمية في شؤون الدول العربية، مؤكدًا أن الدولة العربية القُطرية أصبحت في خطر، وأن استمرار الانقسام والضعف يفرض تبني مقاربة جديدة لإعادة بناء العمل العربي المشترك.

وقال الملقي، في حديث لبرنامج "الجلسة سرية" مع الإعلامي والكاتب الصحفي سمير عمر، على شاشة "القاهرة الإخبارية"، إن أطرافًا إقليمية تستغل نقاط الضعف والأولويات العربية لتمرير أجنداتها، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية، التي تمثل القضية المركزية للعرب، باتت أطراف إقليمية تطرحها باعتبارها قضيتها وتدافع عنها، الأمر الذي يعكس تراجع الموقف العربي.

وأضاف أن الأوضاع العربية شهدت تدهورًا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، في ظل تفكك ليبيا والسودان، والأزمة اليمنية، والمخاطر التي تواجه الصومال واحتمالات انقسامها إلى دولتين أو أكثر، ما يستدعي التحرك نحو مقاربة جديدة تبدأ بتعزيز الدولة العربية القُطرية ومعالجة الأزمات الداخلية.

القيادة الجماعية وإصلاح العمل العربي

وأوضح الملقي أن محاولات تطوير ميثاق جامعة الدول العربية بدأت عام 2004، عندما كان مندوب الأردن لدى الجامعة وسفيرها في القاهرة، لكنها تعثرت بسبب شخصنة الأمور، قبل أن تعود الفكرة عام 2009، وتُقر ورقة لإعادة إحياء الميثاق بصيغة تتناسب مع التطورات، غير أن المحاولة أُجهضت مجددًا خلال قمة سرت الليبية عام 2010.

وأكد أن شخصنة القيادة كانت من الأسباب الرئيسية لفشل محاولات تطوير الجامعة، نتيجة عدم إدراك أن الأمة العربية لا يمكن أن تقودها دولة واحدة بصورة منفردة، مشددًا على ضرورة اعتماد القيادة الجماعية، لأن استئثار دولة بالقرار يدفع دولًا أخرى إلى الاعتراض والتراجع عن الإجماع نتيجة اختلاف المصالح والحسابات.

واستشهد بتجربة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وما رافقها من اعتقاد بإمكانية قيادة الأمة العربية بصورة منفردة، مشيرًا إلى أن التجربة العربية في ستينيات القرن الماضي أظهرت أهمية العمل الجماعي.

مصر والسعودية والأردن قادرة على قيادة مسار جديد

وشدد الملقي على أن مواجهة التحديات العربية تتطلب مقاربة قائمة على الإجماع والتفاهم، مقترحًا تشكيل ما وصفه بـ"الكتلة الحرجة"، عبر اتفاق ثلاث أو أربع دول عربية على مسار محدد للعمل العربي، مع إتاحة المجال أمام بقية الدول للانضمام إليه.

وأشار إلى أن مصر والسعودية والأردن تمتلك القدرة على تشكيل هذه الكتلة، وقيادة فكر جماعي وتوجه مشترك يمكن أن يسهم في تغيير مستقبل العمل العربي، مستشهدًا بتجارب السوق الأوروبية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، التي قامت على تفاهمات بين الأطراف المشاركة في تأسيسها.

وأوضح أن العمل العربي المشترك يمكن أن يبدأ تدريجيًا من القضايا التي تحظى بتوافق واسع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن إصلاح جامعة الدول العربية مهم، لكنه ليس نقطة البداية، إذ ينبغي أولًا تحويلها إلى مساحة حقيقية للتفاهم والحوار وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

ولفت إلى أن الجامعة لم تنجح في التعامل مع الأزمتين الليبية والسودانية، ولم يظهر لها أثر واضح في الملف اليمني، الذي يشكل تهديدًا كبيرًا للمملكة العربية السعودية، مؤكدًا أن الأمة العربية هي التي أنشأت الجامعة، وأن الإجماع يمثل أساس عملها، ومن خلاله يمكن تطوير ميثاقها أو وضع ميثاق جديد.

القضية الفلسطينية ومواجهة التدخلات الإقليمية

وأكد الملقي أن القضية الفلسطينية يجب أن تظل مركزية لدى جميع الدول العربية، ليس دفاعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما لمواجهة ما وصفه بالتغول الصهيوني في المنطقة، مشددًا على أن تداعيات ما يجري لا تستثني أي دولة عربية.

وقال إن السردية الإسرائيلية انتقلت تدريجيًا من "الأرض مقابل السلام" إلى "السلام مقابل السلام"، ثم "السلام مقابل الاستسلام"، متسائلًا عما إذا كانت المنطقة ستصل إلى مرحلة يصبح فيها السلام مقابل الهيمنة والخنوع.

وأضاف أن الصراع العربي الإسرائيلي لا يقتصر على الفلسطينيين، بل يمتد ليشمل إسرائيل والعرب، محذرًا من أن جميع الدول العربية مستهدفة، وأن الدولة التي لا تشعر بالتهديد اليوم قد تواجهه في المستقبل.

وانتقد اتهام معارضي الصهيونية بمعاداة السامية، معتبرًا أن القضية الفلسطينية تتعلق بشعب تعرض لظلم كبير وغير إنساني، لا يمكن قبوله.

وأشار إلى أن الخطوة الأولى لمواجهة التحديات تتمثل في إنهاء الأزمات داخل الدول العربية، من خلال التحرك لمعالجة الأوضاع في ليبيا والسودان واليمن، لافتًا إلى أن التدخلات الإقليمية تستفيد من ضعف الجانب العربي وانقسامه أكثر من ارتباطها بقوة الأطراف المتدخلة.

ترتيب الأولويات وتوحيد المواقف العربية

ودعا الملقي إلى إعادة ترتيب الأولويات العربية والبناء على نقاط الاتفاق بدلًا من التركيز على الخلافات، موضحًا أن الاتفاق على أربع قضايا، حتى مع وجود خلافات في 99 قضية أخرى، من شأنه تسهيل معالجة نقاط الاختلاف لاحقًا.

وحذّر من أن العالم العربي أصبح، وفق وصفه، تحت رحمة "ثالوث إسرائيل والسلاح والبترول"، في إشارة إلى أمن إسرائيل وبيع السلاح والحصول على البترول، مشيرًا إلى ما يجري بشأن مضيق هرمز والتساؤلات المتعلقة بحرية الملاحة فيه.

وأكد أن الدول العربية المطلة على الخليج العربي، ومنها عُمان والبحرين والإمارات والكويت، لها حقوق في حرية الملاحة، متسائلًا عن موقف العالم مما تتعرض له المنطقة، في وقت ينشغل فيه بمتابعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أن العرب من المتضررين الأساسيين من الاعتداءات.

واعتبر أن تماسك الأمة العربية كان سيحول دون تجرؤ أي دولة على الاعتداء عليها، مشيرًا إلى أن الخطر واحد عندما تكون الدول مهددة، سواء تعلق بإيران أو إسرائيل، في ظل ضعف الدول العربية وتفكك بعضها وعجزها عن إيجاد أرضية مشتركة.

وأضاف أن بناء الدولة العربية القُطرية القوية يمثل اللبنة الأساسية لبناء الأمة، داعيًا الدول العربية إلى التوافق بشأن مستقبلها والأخطار التي تواجهها، وتنحية خلافاتها جانبًا، قائلًا: "أنا أصبحت عدو نفسي"، في تعبير عن حجم الضعف والانقسام العربي.

مبادرة السلام العربية والسردية الإسرائيلية

وشدد الملقي على ضرورة استمرار مبادرة السلام العربية التي طُرحت خلال قمة بيروت عام 2002، مؤكدًا أنه شارك في القمة التي حضرها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية الأردني مروان المعشر، وأسهم بخط يده في كتابة بعض بنود المبادرة.

وأوضح أن المبادرة هدفت إلى تأكيد رغبة العرب في السلام، وأن استمرار طرحها يكتسب أهمية في ظل تنامي الوعي العالمي بالجرائم الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية وممارسات المستعمرين في الأراضي الفلسطينية.

وأشار إلى أن المبادرة لا تعني السعي إلى تدمير إسرائيل أو محوها، لكنها لا تعني أيضًا القبول باستمرار احتلال الأراضي العربية أو منازعة الفلسطينيين حقوقهم، لافتًا إلى أن الأردن يعتبر الفلسطينيين أهلًا وليسوا مجرد أشقاء، وهو ما يعكسه خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الأمم المتحدة.

وأكد أن المبادرة لن تحقق نتائج في ظل استمرار الضعف العربي، مشيرًا إلى أن السردية الإسرائيلية واحدة مهما اختلف قادة الحكومات، وأن الاختلاف بين بنيامين نتنياهو ويائير لابيد يتعلق بسرعة تنفيذ السياسات وليس جوهرها.

واستعرض محطات تاريخية من الصراع، بدأت بمذبحة دير ياسين واحتلال أجزاء من فلسطين عام 1948، مرورًا بمجزرتي قبية وقانا وجرائم قتل المصلين في الخليل، وصولًا إلى أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة، التي أشار إلى أنها أسفرت عن استشهاد 70 ألف شخص، بينهم 20 ألف طفل.

وأوضح أن الفارق بين هذه الأحداث وما شهدته غزة يتمثل في حجم التفاعل العالمي، معتبرًا أن ما جرى في القطاع أحدث انتفاضة في الضمير العالمي.

القدرة العربية على الدفاع عن النفس

وأكد الملقي أن مواجهة ما وصفه بالتوحش الإسرائيلي تتطلب بناء القدرة الذاتية العربية على الدفاع عن النفس، مشيرًا إلى أن العالم بات يرى إسرائيل طرفًا مجرمًا والشعب الفلسطيني طرفًا مظلومًا وصامدًا.

وحذّر من مخططات تهجير الفلسطينيين، متسائلًا عما إذا كانت ستقتصر على مصر والأردن أم تمتد إلى الجزائر والمغرب وليبيا ودول الخليج.

كما شدد على عدم التعويل على نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لتحقيق المصالح العربية، موضحًا أن الناخب الإسرائيلي يختار قادته وفق مصالحه وحساباته الداخلية، وليس وفق ما يتمناه العرب أو يتطلعون إليه.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى