تعديلات قانون التنفيذ .. توسيع الحجز ومنع السفر لتعزيز تحصيل الديون
التاج الإخباري -
بعد أكثر من عام على بدء تطبيق الأحكام المتعلقة بوقف حبس المدين بسبب عجزه عن الوفاء بالتزاماته التعاقدية، تعيد مسودة القانون المعدل لقانون التنفيذ لسنة 2026، طرح مسألة التوازن بين حقوق الدائنين والمدينين، في ظل توجه نحو توسيع صلاحيات الحجز على الأموال ومنع السفر، وإدخال السوار الإلكتروني ضمن التدابير الاحتياطية.كما يعيد تنظيم التسويات المالية والطعون القضائية، في محاولة لمعالجة الإشكاليات التي ظهرت خلال التطبيق العملي للقانون.
وتأتي التعديلات المقترحة التي نشرها ديوان التشريع والرأي، في وقت ما تزال فيه تداعيات وقف حبس المدين، تثير نقاشا قانونيا حول مدى فاعلية الوسائل البديلة في ضمان تحصيل الحقوق، وما إذا كانت الإجراءات المتاحة للدائن كافية لتنفيذ الأحكام القضائية، خصوصا في الحالات التي يمتنع فيها المدين عن السداد رغم قدرته المالية.
وبينما تتجه المسودة لتعزيز صلاحيات قاضي التنفيذ في الحجز على أموال المدين ومنعه من السفر، فإنها تتضمن في المقابل إجراءات تستهدف الحد من بعض الأضرار التي قد تلحق بالمدين، خصوصا ما يتعلق بالحجز على المركبات والعقارات، وإعادة تنظيم التسويات المالية، بما يعكس محاولة لإعادة النظر في العلاقة بين ضمان حق الدائن بتحصيل أمواله، وحماية المدين من الإجراءات التي قد تتجاوز قدرته على الوفاء.
وبحسب قاضي الاستئناف ومستشار ديوان التشريع والرأي سابقا د. محمود العبابنة فإنّ العمل بقانون التنفيذ بعد وقف حبس المدين في الفترة الماضية، كشف عن سلبيات ظهرت أثناء التطبيق، ما جعل الحاجة ماسة لإعادة التوازن بين الدائن والمدين، ومعالجة ما أظهرته النصوص القانونية من مثالب وهنات عند تطبيقها عمليا.
وقال العبابنة، إن التعديلات المقترحة جاءت لمعالجة هذه الإشكاليات، خصوصا فيما يتعلق بقدرة الدائنين على تحصيل حقوقهم، ومواكبة التطورات المرتبطة باستخدام الوسائل الإلكترونية في القضايا التنفيذية، مبينا أن المشرع أدرك بأن مدينين استندوا للأحكام المتعلقة بوقف الحبس للامتناع عن دفع الديون أو تقسيطها، ما دفعه للتوجه نحو زيادة الضغوط القانونية على المدين، لضمان الوفاء بالتزاماته، بتوسيع الوسائل التي يمكن للدائن اللجوء إليها لتحصيل حقه.
وأشار إلى أن من أبرز هذه التعديلات، إدخال السوار الإلكتروني ضمن التدابير الاحتياطية التي يمكن اتخاذها بحق المدين، والتوسع بمنع السفر، بحيث لم يعد اتخاذ هذا الإجراء مرتبطا بإثبات نية المدين السفر بقصد تعطيل التنفيذ، وإنما أصبح بالإمكان اللجوء إليه بناء على طلب الدائن.
ولفت إلى أن المسودة، لم تقتصر على توسيع الإجراءات المتاحة للدائن، وإنما امتدت لإعادة تنظيم الطعون في القرارات التنفيذية، عبر إدخال محكمة التمييز لأول مرة للنظر في حالات محددة من القضايا التنفيذية، خصوصا عند تعارض الأحكام الاستئنافية، بما يتيح معالجة التناقض في القرارات القضائية.
كما شددت التعديلات، وفق العبابنة، على الإفصاح عن مصادر دخل المدين، وعدم الاكتفاء بالكشف عن ممتلكاته، بما يعزز إمكانية الوصول للأموال التي يمكن التنفيذ عليها، ويحد من الصعوبات التي قد تواجه الدائن عند عدم معرفة الأموال التي يملكها المدين أو مصادر دخله.
وأشار إلى أن التعديلات، عالجت أيضا إشكاليات مرتبطة ببقاء الأموال المنقولة المحجوزة لفترات طويلة دون بيعها، وما قد يترتب على ذلك من انخفاض قيمتها أو تعرضها للتلف، خصوصا المركبات التي تبقى في ساحات الحجز دون مباشرة إجراءات البيع، ما قد يؤدي لتراجع قيمتها المالية، وإلحاق الضرر بالمدين والدائن في الوقت ذاته.
وبشان التدابير الجديدة، بيّن العبابنة أن المسودة أحالت تنظيم بعض الإجراءات إلى نظام يصدر لاحقا، مشددا على أن يتضمن هذا النظام التفاصيل المتعلقة بآليات التطبيق، ومعالجة المسائل التي لم يتناولها القانون مباشرة، بما يضمن وضوح الإجراءات وعدم ترك إشكاليات قانونية عند التنفيذ.
ودعا لمزيد من التشديد على المدين لضمان الوفاء بالديون، معتبرا أن الفترة الماضية التي شهدت تطبيق الأحكام المتعلقة بوقف الحبس، كشفت، من وجهة نظره، عن حالات امتناع متعمد عن السداد، ما يستدعي تعزيز الضمانات القانونية المتاحة للدائنين.
وتعكس هذه التعديلات، توجها نحو تعزيز أدوات تحصيل الديون بعد تضييق نطاق حبس المدين في الالتزامات التعاقدية، عبر التوسع في الإجراءات المالية والاحتياطية التي يمكن اتخاذها بحقه، مع الإبقاء على المبدأ العام المتعلق بعدم حبسه بسبب عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
غير أن هذا التوجه، يثير في المقابل تساؤلات حول مدى قدرة الإجراءات الجديدة على التمييز بين المدين الممتنع عن السداد رغم قدرته المالية، والمدين الذي يعجز فعليا عن الوفاء بالتزاماته، خصوصا أن توسيع الحجز ومنع السفر قد تكون له انعكاسات مباشرة على قدرة مدينين على العمل وتوفير مصادر دخل تمكنهم من سداد ديونهم.
المحامي أحمد بطمة، بين أن المسودة المطروحة تتضمن مزيجا من التعديلات التي تكرس التحول الإلكتروني في إجراءات القضايا التنفيذية، وتعيد التوازن للمواد القانونية في عدة محاور، ووضع نصوص واضحة لتسريع الإجراءات مع ضمان العدالة في الإجراءات المتخذة.
وأوضح بطمة أن التعديلات تهدف لتحقيق التوازن بين تسريع إجراءات التنفيذ والمحافظة على حقوق الخصوم، بحيث لا يطغى التوجه نحو اختصار الوقت والجهد على ضمانات العدالة، وبما يحقق التوازن بين أطراف الدعوى التنفيذية.
وأشار إلى أن من أبرز التعديلات، ما وارد في المواد (3) و(10) و(61) و(63)، والتي تتجه لزيادة الاعتماد على الوسائل الإلكترونية في إجراءات التنفيذ، بدءا من تسجيل الدعاوى ودفع الرسوم وتقديم الطلبات، وصولا للتبليغات وإجراءات البيع بالمزاد العلني.
وبحسب المسودة، وفقه، فالمادة (10) تنص على إجراء تسجيل الدعاوى التنفيذية ودفع الرسوم وتقديم الطلبات والأوراق اللازمة، والتبليغات والمخاطبات والإنابات بالوسائل الإلكترونية، مع منح رئيس التنفيذ صلاحية الموافقة على إجرائها ورقيا في حالات الضرورة، على أن يصدر نظام خاص لتنظيم استخدام الوسائل الإلكترونية في الإجراءات التنفيذية.
كما تنظم التعديلات على المادة (3)، مواعيد سريان الإجراءات الإلكترونية واحتساب مدد الاعتراض والطعن، وفق قواعد التبليغ الإلكتروني المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية، وفق البطمة،
ويعكس هذا التوجه، على ما أفاد، انتقالا من إجازة استخدام الوسائل الإلكترونية في إجراءات التنفيذ إلى اعتمادها أساسا لهذه الإجراءات، بما قد يسهم بتسريع إنجاز المعاملات والحد من التأخير المرتبط بالإجراءات الورقية، لكن نجاحه يبقى مرتبطا بمدى جاهزية الأنظمة التقنية وضمان استمرارية الخدمات، خصوصا أن إجراءات التبليغ واحتساب المدد القانونية، ترتبط بصورة مباشرة بحقوق المتقاضين.
وبشأن تعزيز ضمانات المحكوم له، اعتبر بطمة أن التعديل على المادة (16) من القانون، من أبرز التعديلات المقترحة، إذ منح المحكوم له الحق بطلب الحجز على أموال المحكوم عليه مباشرة عند قيد الدعوى التنفيذية، في حال كان أصل القضية التنفيذية حكما قضائيا.
وأوضح أن ذلك يختلف عما كان متبعا في القانون الساري، بحيث كانت إجراءات الحجز المعتادة، ترتبط بتبليغ المحكوم عليه الإخطار التنفيذي ومضي المدة القانونية المحددة بـ15 يوما.
وبموجب المسودة، بين بطمة، أنه يجوز لرئيس التنفيذ، بناء على طلب المحكوم له، الحجز على أموال المحكوم عليه فور قيد الدعوى التنفيذية، إذا كان السند التنفيذي حكما قضائيا، بينما يشترط بالنسبة لباقي السندات التنفيذية، ثبوت شروع المدين بتهريب أمواله، على ألا تتابع إجراءات التنفيذ في جميع الحالات إلا بعد انقضاء مدة الإخطار.
ومن شأن هذا التعديل، تعزيز قدرة الدائن على المحافظة على الأموال التي يمكن التنفيذ عليها، ويحد من احتمالية التصرف بها في الفترة الفاصلة بين تسجيل الدعوى وانتهاء مدة الإخطار، خصوصا في الحالات التي قد يلجأ فيها المدين لنقل ملكية أمواله أو إخفائها لتجنب التنفيذ.
في المقابل، أفاد بطمة أن التوسع بالحجز المبكر يطرح تساؤلات حول الضمانات التي تكفل عدم إلحاق ضرر غير متناسب بالمدين، خصوصا عندما تكون الأموال المحجوزة مرتبطة بنشاطه التجاري أو بمصدر دخله، ما يجعل من الرقابة القضائية على هذه الإجراءات، أساسية لضمان عدم تجاوز الغاية التي شرع الحجز من أجلها.الغد
الرجاء الانتظار ...