كيف نحمي الطلبة في الأردن من التطرف وخطاب الكراهية ؟

التاج الإخباري -

وفاء صبيح.

الأردن .. لماذا يصبح بعض الطلبة عرضة للاستقطاب الفكري المتطرف؟

قبيلات تحذر عبر "التاج" : الجماعات المتطرفة تستغل احتياجات المراهقين النفسية

أكدت أمين عام وزارة التربية والتعليم الأسبق د. نجوى قبيلات أن حماية الطلبة من التطرف وخطاب الكراهية تتطلب بناء بيئة تربوية "متكاملة" تعزز التفكير النقدي، وتدعم الشعور بالانتماء وتمنح الطلبة فرصًا حقيقية للتعبير عن آرائهم والمشاركة في الأنشطة والمبادرات المجتمعية.

وأشارت قبيلات خلال حديثها لـ "التاج الإخباري" إلى أن سنوات التعليم الأساسي العليا والتعليم الثانوي والدراسة الجامعية تُعد من أبرز المراحل المؤثرة في تشكيل هوية الفرد وبناء شخصيته، مبينة أن دور التعليم لا يقتصر على اكتساب المعارف والمهارات، بل يمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والقيمية التي تسهم في تشكيل شخصية الطالب ونظرته إلى ذاته والعالم المحيط به.

وأضافت أن مرحلة المراهقة تمثل محطة مهمة في النمو النفسي والاجتماعي، إذ يبدأ الفرد بالبحث عن هويته ومكانته وقيمته ودوره في المجتمع، ويسعى إلى تحديد انتماءاته وبناء منظومته القيمية، ما قد يجعل بعض الطلبة عرضة للاستقطاب من الجماعات المتطرفة ومروجي خطاب الكراهية، الذين يستغلون حاجتهم إلى الانتماء والتقدير والشعور بالأهمية، ويقدمون لهم صورة زائفة عن البطولة والدور الاستثنائي.

ولفتت قبيلات إلى أن خطورة هذه الجماعات لا تقتصر على نشر الأفكار المتطرفة، بل تمتد إلى استثمار الاحتياجات النفسية والعاطفية لدى الطلبة، ولا سيما المراهقين، من خلال منحهم شعورًا مصطنعًا بالقوة والمكانة، أو تعويض ما قد يشعرون به من تهميش أو افتقار إلى التقدير في محيطهم الأسري أو المدرسي أو الاجتماعي.

وشددت على أن فهم ظاهرة التطرف بين الطلبة يستدعي تناولها من منظور نفسي وتربوي واجتماعي متكامل، وعدم اختزالها في الجانب الأمني أو التعامل معها بوصفها انحرافًا فكريًا منفصلًا عن الظروف التي قد تسهم في تشكّلها.

وفي هذا السياق، أوضحت قبيلات أن نظرية إريكسون في النمو النفسي الاجتماعي تطرح أزمة الهوية في مقابل تشتت الدور باعتبارها إحدى القضايا المحورية في مرحلة المراهقة، إذ يسعى الفرد إلى بناء صورة متكاملة عن ذاته، وفهم موقعه في المجتمع، واكتشاف القيم التي يؤمن بها والأهداف التي يطمح إلى تحقيقها.

وبينت أن غياب البيئة التي تساعد الطالب على التعبير عن ذاته وتمنحه القبول والاحترام قد يجعله أكثر قابلية للتأثر بالجهات التي تقدم له إجابات جاهزة عن تساؤلاته، وتمنحه هوية تقوم على تقسيم الناس إلى فئات متعارضة، وتصوير إحداها باعتبارها صاحبة الحق المطلق، والأخرى بوصفها عدوًا.

وأضافت أن الجماعات المتطرفة تستغل هذه الحاجة من خلال نشر تصورات تقنع المراهق بأن الاختلاف يمثل تهديدًا، وأن رفض الآخر دليل على القوة والالتزام، مشيرة إلى أن غياب الحوار الأسري والمدرسي أو ضعف الشعور بالانتماء قد يزيد من تأثير هذه الخطابات في طريقة تفكير الطالب ومواقفه وسلوكياته، خصوصًا عندما يجد من يستمع إليه ويمنحه الاهتمام الذي يفتقده في محيطه المعتاد.

وأشارت قبيلات إلى أن نظريات التعلم وعلم النفس التربوي تساعد في فهم كيفية انتقال الأفكار إلى أوساط الطلبة والمراهقين، موضحة أن نظرية التعلم الاجتماعي تؤكد أن الإنسان يكتسب السلوكيات من خلال ملاحظة الآخرين ومحاكاتهم، لا عن طريق التوجيه المباشر وحده، ولا سيما عندما يكون الأشخاص الذين يراقبهم موضع إعجاب أو تأثير.

وأضافت أن التعرض المتكرر لخطاب الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في المحيط الاجتماعي قد يسهم في تطبيع هذه الأفكار لدى الطالب، خصوصًا عندما يلاحظ أن أصحابها يحظون بالإعجاب أو التأييد أو المكانة بين أقرانه، الأمر الذي قد يؤدي تدريجيًا إلى انتقال المواقف العدائية من مجرد عبارات يسمعها إلى أنماط من التفكير والسلوك تنعكس على علاقاته بالآخرين.

وأكدت أهمية تنمية القدرات المعرفية لدى الطلبة، بما يشمل التحليل والمقارنة وتقييم الأدلة والتمييز بين الرأي والحقيقة، وبين الاختلاف المشروع والتحريض على الكراهية، موضحة أن الميل إلى الأحكام السريعة والتفسيرات الثنائية لا يعني بالضرورة افتقار المراهق إلى التفكير النقدي، بل إن هذه المهارات تتطور تدريجيًا وتتأثر بطبيعة البيئة التعليمية والاجتماعية.

وحذرت من أن الخطابات المتطرفة قد تستغل هذه الظروف لتقديم إجابات نهائية تعفي الفرد من التساؤل، وتستبدل التفكير المستقل بالطاعة العمياء، مؤكدة أن الوقاية من التطرف لا تتحقق بالتحذير من الأفكار المتشددة أو تجريم بعض مظاهرها فحسب، وإنما تتطلب توفير بيئة تربوية تعزز الثقة بالنفس والانتماء والمشاركة الإيجابية.

وفي هذا الإطار، دعت قبيلات إلى تشجيع الطلبة على الانخراط في المبادرات التطوعية والأنشطة الثقافية والرياضية والمجتمعية، وإتاحة الفرص أمامهم للمشاركة في المجالس والبرلمانات المدرسية والمشروعات الجماعية التي تنمي قدرتهم على التعبير عن آرائهم وتحمل المسؤولية والمشاركة في اتخاذ القرار.

وأكدت أن شعور الطالب بأن صوته مسموع، وأن جهوده تحظى بالتقدير وأنه قادر على إحداث تغيير إيجابي في محيطه، يسهم في بناء هوية أكثر استقرارًا، ويوفر له مصادر إيجابية للشعور بالأهمية والإنجاز، بعيدًا عن الجماعات التي قد تستغل احتياجاته النفسية والاجتماعية.

وشددت على أن تعزيز التفكير النقدي يأتي في مقدمة المهارات التي تسهم في الوقاية من الاستقطاب الفكري، داعية المدارس إلى تجاوز أساليب التعليم القائمة على التلقين والحفظ، وتفعيل الاستراتيجيات التي تتيح للطلبة طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار وتحليل الرسائل الإعلامية والتحقق من المعلومات ومقارنة وجهات النظر المختلفة.

وأوضحت أن المناهج المطورة تضمنت توجهات تعزز هذه المهارات، إلا أن تحقيق أثرها يتطلب تفعيلًا حقيقيًا داخل البيئة التعليمية، بحيث تتحول من أهداف مكتوبة إلى ممارسات يومية في الغرف الصفية.

كما دعت إلى تدريب الطلبة على التعرف إلى الأساليب التي يستخدمها مروجو خطاب الكراهية، ومنها استثارة الخوف والغضب، وتوظيف المعلومات المضللة، وتصوير الاختلاف على أنه صراع، مشيرة إلى إمكانية تحقيق ذلك من خلال الأنشطة التربوية وحصص الإرشاد التربوي والإذاعة المدرسية، إلى جانب تفعيل المقررات والأنشطة المتعلقة بالتربية الإعلامية والتعامل مع الشائعات والتحقق من صحة المعلومات ومصادرها.

وأضافت أن امتلاك الطالب أدوات التفكير المستقل والقدرة على التحقق من الأدلة يعزز قدرته على مقاومة الخطابات التي تستغل مشاعره أو تدعي احتكار الحقيقة أو تدفعه إلى إصدار أحكام متسرعة على الآخرين، مؤكدة أهمية تمكين الطلبة من مهارات الحماية الرقمية، وتعريفهم بآليات الإبلاغ عن المحتوى التحريضي، وطرق التعامل الواعي والآمن مع المحتوى الذي يتعرضون له عبر الفضاء الرقمي.

وأكدت قبيلات أن تنمية هذه المهارات لن تحقق أثرها الكامل دون توفير بيئة آمنة للحوار داخل الأسرة والمدرسة، موضحة أن الطالب الذي يخشى العقاب أو السخرية بسبب أسئلته قد يلجأ إلى مصادر بديلة للحصول على الإجابات، بما فيها مساحات رقمية تقدم إجابات جازمة ومشحونة عاطفيًا دون إتاحة الفرصة للتحقق منها أو مناقشتها.

ولفتت إلى ضرورة أن يشعر الطالب بقدرته على التعبير عن مخاوفه وتساؤلاته ومناقشة الأفكار التي يسمعها بحرية ومسؤولية، وأن يدرك أن الاختلاف في الرأي لا يعني فقدان الاحترام أو القبول.

كما أكدت أهمية إثراء المناهج بما يعزز مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، ويمنح الطلبة مساحة لتحليل الأفكار وتقييمها في ضوء الأدلة والمعايير، إلى جانب إعداد المعلمين والمرشدين التربويين وتزويدهم بالمهارات اللازمة للتعرف إلى مؤشرات الاستقطاب الفكري، والتعامل مع آثار الاستخدام غير الآمن للتكنولوجيا، وتوجيه الطلبة نحو مصادر المعرفة الموثوقة، ومساعدتهم على التمييز بين الاختلاف الفكري المشروع والخطابات التي تحرض على الكراهية أو تبرر العنف.

وشددت على أن ذلك يتطلب برامج تدريبية مستمرة، وأدلة إرشادية واضحة، وآليات للتعاون بين المدرسة والأسرة والجهات المختصة، بما يضمن التدخل التربوي المبكر والمتوازن.

واختتمت قبيلات بالتأكيد أن بناء المناعة الفكرية لدى الطلبة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية والإعلامية، وتكامل جهودها لتوفير بيئة تمنح الأجيال الأمان والانتماء وفرص التعبير عن الذات، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على احتضان التنوع وصون كرامة الإنسان.

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى