منع الحجاب باسم العلمانية .. خبير تربوي يكشف التناقض في مدارس أذربيجان
التاج الإخباري -
غادة الخوليحذّر الخبير والاستشاري التربوي الدكتور محمد أبو عمارة من تداعيات منع الطالبات المحجبات من الذهاب إلى المدارس في أذربيجان، معتبراً أن ما يجري يشكل صدمة للعاملين في قطاع التربية والتعليم وللمدافعين عن الحريات الدينية وحرية الإنسان، ومخالفة لما يكفله الدستور الأذربيجاني من حقوق.
وقال أبو عمارة في حديث مع "التاج الإخباري"، اليوم الأربعاء، إن ما يحدث في أذربيجان يمثل مفارقة كبيرة بين النصوص الدستورية التي تنص على احترام الحريات الدينية والفصل بين الدين والدولة، وبين الممارسات التي تستهدف الطالبات المحجبات وتحرمهن من الالتحاق بالمدارس بسبب ارتداء الحجاب.
وأضاف أن الدستور الأذربيجاني يكفل حق التعليم المجاني والإلزامي للطلبة والطالبات، متسائلاً عن كيفية منع الطالبات من التعليم بسبب ارتداء الحجاب، في وقت يفترض فيه أن تحترم الدولة الحريات الدينية التي ينص عليها دستورها.
واعتبر أن هذه الممارسات تشكل، بحسب وصفه، مخالفة صريحة للنصوص الدستورية، مشيراً إلى أن ما ظهر في مقاطع الفيديو والصور المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تعامل مع الطالبات المحجبات يعكس ممارسات وصفها بأنها غير أخلاقية، وتنطوي على الظلم والحرمان من حرية التعبير والحق في التعليم.
وبيّن أبو عمارة أن ما يجري يطرح تساؤلات حول الفرق بين العلمانية باعتبارها تنظيماً للعلاقة بين المؤسسات الدينية والسلطة السياسية، وبين استخدام مبدأ العلمانية لتقييد حريات الأفراد، لافتاً إلى وجود تناقض بين ما تنص عليه القرارات الحكومية، وما يترتب على تطبيقها في المدارس، والتفسيرات السياسية التي يقدمها المؤيدون والمعارضون.
وأوضح أن التشريعات المنظمة للتعليم العام في أذربيجان شهدت، خلال شهر تموز من عام 2026، تعديلات على قواعد الزي المدرسي في مؤسسات التعليم الحكومية، تضمنت منع الإضافات التي تخل بوحدة الزي المقرر أو تتعارض مع مبدأ العلمانية في التعليم، دون أن تذكر الحجاب الإسلامي بصورة واضحة وصريحة.
وأضاف أنه صدر خلال شهر تشرين الأول قرار يتعلق بملابس العاملين في المؤسسات التعليمية الحكومية، يؤكد ضرورة توافقها مع الطابع العلماني للتعليم، مشيراً إلى أن القرارين لم ينصا صراحة على منع الحجاب.
وقال أبو عمارة إن الحجاب، وفق تفسيره للنصوص القانونية، لا يؤثر على الشكل العام للزي المدرسي الأذربيجاني، ولا يعد من الإضافات التي تخل بوحدته، مؤكداً أن التشريعات المشار إليها لا تمنح، بحسب تقديره، القائمين على التعليم الحق في اتخاذ إجراءات ضد الطالبات المحجبات على النحو الذي يجري.
ولفت إلى أن استخدام معيار عام يتعلق بالعلمانية ووحدة الزي أدى إلى قيام بعض الإدارات المدرسية بتفسيره على أنه يمنع ارتداء غطاء الرأس الديني، الأمر الذي يستدعي، وفق ما أوضح، مراجعة القرارات وتقييم آثارها القانونية والحقوقية، ولا سيما فيما يتعلق بحرمان الطلبة من التعليم أو تقييد حريتهم في التعبير عن أنفسهم.
وأشار إلى أن المنع لم يقتصر على الطالبات، بل شمل أيضاً المعلمات والعاملات في المدارس، موضحاً أن بعضهن تعرضن، بحسب قوله، لمنع من العمل أو لعقوبات قد تصل إلى الفصل، بسبب ارتداء الحجاب أو رفض خلعه.
وحذّر أبو عمارة من أن مثل هذه القرارات قد تؤثر في الأمن المجتمعي والوظيفي، في ظل وجود نسبة كبيرة من المسلمين في أذربيجان، متسائلاً عن الآليات التي اتُّخذت بها قرارات من شأنها، بحسب رأيه، أن تؤدي إلى امتناع عدد من المعلمات والعاملات عن الذهاب إلى أعمالهن بسبب الحجاب.
96% من سكان أذربيجان مسلمون
وأشار أبو عمارة إلى أن نسبة المسلمين في أذربيجان تبلغ 96% من السكان، وفق تقديرات لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية لعام 2025، لافتاً إلى أن عدد سكان البلاد يبلغ نحو 10.6 مليون نسمة، ما يعني أن عدد المسلمين فيها يقترب من 9.5 مليون نسمة.
واعتبر أن منع الحجاب في دولة بهذه التركيبة السكانية يمثل مفارقة، موضحاً أن الحجاب يشكل، بالنسبة للمسلمات، فريضة دينية وجزءاً أساسياً من الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي.
وأكد أن هناك فرقاً بين ممارسة الديمقراطية والعلمانية وبين فرض العلمانية، موضحاً أن الديمقراطية تقوم على السماح للجميع بالتعبير عن آرائهم بحرية، ومتسائلاً عن مدى احترام الحريات والقانون عند منع الطالبات من ارتداء الحجاب، في حين يُسمح لمجموعات أخرى بممارسة طقوسها وتقاليدها.
ووصف أبو عمارة ما يجري بأنه حرب ممنهجة على الحجاب، معتبراً أنها غير مبررة، ومشيراً إلى أن القضية حظيت بتعاطف واسع من الشعب الأذربيجاني، بما في ذلك زميلات الطالبات وزملاؤهن، على حد قوله.
وأضاف أن بعض غير المحجبات اتجهن إلى ارتداء الحجاب تضامناً مع القضية، معتبراً أن ما حدث تحول إلى دعاية غير مقصودة للحجاب، بدلاً من تحقيق الغاية التي قد تكون وراء هذه الإجراءات.
تساؤلات حول الزي المدرسي
وفيما يتعلق بتوحيد الزي المدرسي، قال أبو عمارة إن الهدف منه، كما يُطرح عادة، هو تحقيق المساواة بين الطلبة في المدارس الحكومية والحد من الفروق الاجتماعية بينهم، مشيراً إلى أن ارتداء الحجاب لا يمثل، من وجهة نظره، ما يبرر حرمان الطالبات من التعليم.
وتساءل عن مدى تطبيق القيود ذاتها على إضافات أخرى قد يرتديها الطلبة، مثل الطاقية أو الإكسسوارات أو السلاسل أو الأوشحة، وما إذا كانت ستُمنع بالمعايير نفسها بحجة مخالفتها للزي الموحد.
واعرب أبو عمارة عن أمله في صدور قرار سريع وعاقل يسمح للطالبات والمعلمات والعاملات في أذربيجان بارتداء الحجاب، داعياً إلى وقف الممارسات التي وصفها بالمتطرفة، ومشدداً على ضرورة احترام الحريات الدينية وعدم ربط الحق في التعليم أو العمل بارتداء الحجاب.
الرجاء الانتظار ...