ازدحامات الشوارع في الأردن ..  خسائر بالمليارات وحلول تبدأ من النقل العام

التاج الإخباري -

 وفاء صبيح.

تتفاقم الازدحامات المرورية في الأردن، لا سيما في العاصمة عمّان، مع تزايد أعداد المركبات والضغط على الطرق خلال ساعات الذروة، الأمر الذي ينعكس على حياة المواطنين اليومية، ويرفع كلف التنقل واستهلاك الوقود، إلى جانب إهدار ساعات العمل والإنتاج.

وفي هذا السياق، أكد خبير الطاقة هاشم عقل أن كلفة الازدحامات المرورية في الأردن تمثل عبئًا اقتصاديًا متناميًا، مشيرًا إلى أن التقديرات التي وضعت الخسائر عند نحو 1.5 مليار دينار سنويًا، بما يعادل 4.75% من الناتج المحلي الإجمالي، قد تكون تقديرات متحفظة في ظل تجاوز أسطول المركبات 2.12 مليون مركبة وارتفاع أسعار الوقود.

وأشار عقل خلال حديثه لـ "التاج الإخباري" إلى أن الأثر الاقتصادي للازدحامات لم يقتصر على الوقت الذي يهدره المواطنون على الطرق، بل امتد إلى انخفاض الإنتاجية نتيجة ضياع ملايين ساعات العمل سنويًا، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على كفاءة رأس المال البشري والناتج المحلي الإجمالي.

وأضاف أن الازدحامات رفعت كلفة المعيشة على الأسر، نتيجة زيادة الإنفاق على الوقود والصيانة المتكررة للمركبات، فضلًا عن انعكاساتها على الميزان التجاري، في ظل استيراد المشتقات النفطية وقطع الغيار، إلى جانب الكلف الصحية المرتبطة بارتفاع الانبعاثات الناجمة عن حركة المركبات.

ضعف النقل العام في  "صميم" الأزمة

وأشار عقل إلى أن الاعتماد المتزايد على المركبات الخاصة ارتبط بضعف تغطية النقل العام وعدم انتظام مواعيده، ما دفع المواطنين إلى تفضيل سياراتهم الخاصة باعتبارها الخيار الأكثر ملاءمة لاحتياجاتهم اليومية.

وحذّر من أن استمرار هذا الواقع أدى إلى حلقة متكررة؛ فكلما زاد الاعتماد على المركبات الخاصة، ارتفع الضغط على الطرق، ما عزز الحاجة إلى امتلاك مزيد من السيارات، وزاد من حدة الازدحامات.

وفيما يتعلق بالحلول التقليدية القائمة على توسعة الطرق وإنشاء الأنفاق والجسور، أوضح عقل أن هذه المشروعات، رغم أهميتها في معالجة بعض الاختناقات، لم توفر حلًا مستدامًا بمفردها؛ إذ إن الطاقة الاستيعابية الإضافية للطرق قد تستقطب مزيدًا من حركة المركبات، لتعود الازدحامات خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

وأكد أن الاستثمار في النقل الجماعي مثّل خيارًا أكثر كفاءة في استغلال المساحات المتاحة، موضحًا أن البنية التحتية للنقل الجماعي يمكن أن تنقل أعدادًا من الركاب تتراوح بين خمسة وثمانية أضعاف ما تنقله الحلول التقليدية لكل متر مربع من حرم الطريق.

حلول سريعة لا تحتاج إلى استثمارات ضخمة

وأكد عقل أن معالجة الأزمة لم تتطلب انتظار تنفيذ مشروعات كبرى، إذ كان من الممكن اتخاذ إجراءات تنظيمية وتشغيلية سريعة تسهم في تخفيف الضغط على الطرق، وتحد من الهدر الاقتصادي الناتج عن الازدحامات.

وأشار إلى أن تنظيم أوقات الدوام جاء في مقدمة هذه الإجراءات، من خلال توزيع مواعيد بدء العمل وانتهائه بين القطاعين العام والخاص والمدارس والجامعات، بما يسهم في تفكيك ساعات الذروة وتوزيع حركة المرور على فترات زمنية أوسع.

كما دعا إلى تنظيم حركة الشاحنات ومركبات التزويد، والحد من دخولها إلى المحاور الرئيسية خلال ساعات الذروة، بما يخفف من الاختناقات ويساعد على انسيابية حركة السير.

وشدد كذلك على أهمية تطوير خطوط تغذية تربط الأحياء السكنية بمسارات الباص السريع، باستخدام حافلات صغيرة تتيح للمواطنين الوصول إلى محطات النقل الجماعي بسهولة، إلى جانب تخصيص مسارات للحافلات وإدارة الإشارات الضوئية إلكترونيًا وفق كثافة الحركة المرورية.

وقدّر عقل أن هذه الإجراءات يمكن أن تحقق نتائج ملموسة خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر و12 شهرًا، من خلال استثمارات محدودة نسبيًا تتركز على الجوانب التشغيلية والتنظيمية، وإعادة توزيع الكوادر، وتطوير أنظمة إدارة المرور الذكية.

وأشار إلى أن تطبيق هذه التدخلات قد يسهم في خفض زمن التنقل خلال ساعات الذروة بنسبة تتراوح بين 10% و15%، شريطة تنفيذها بصورة متكاملة وقياس نتائجها ميدانيًا.

استثمارات النقل العام مفتاح الحل المستدام

وعلى المدى المتوسط، أكد عقل أن تخفيف الازدحامات بصورة مستدامة تطلّب استثمارات رأسمالية موجهة نحو استكمال مراحل مشروعات النقل السريع، وتطوير شبكات النقل الجماعي، ودراسة إدخال خطوط للسكك الحديدية الخفيفة تربط عمّان بالزرقاء وإربد.

وأشار إلى أن تحقيق تحول في أنماط التنقل، بحيث ينتقل ما بين 25% و35% من مستخدمي المركبات الخاصة إلى وسائل النقل العام، من شأنه أن يخفف الضغط على الطرق ويقلل الكلف الاقتصادية المرتبطة بالازدحامات.

وقدّر عقل أن هذا التحول قد يسهم في خفض خسائر الازدحامات بأكثر من 400 إلى 600 مليون دينار سنويًا، وفق التقديرات المطروحة، إلى جانب تعزيز الإنتاجية الاقتصادية وتحسين كفاءة استخدام الوقود والموارد.

وأكد أن الوصول إلى هذه النتائج تطلّب ربط الاستثمارات في البنية التحتية بتحسين جودة خدمات النقل العام وانتظام مواعيدها وتوسيع نطاق تغطيتها، بما يمنح المواطنين بديلًا عمليًا عن استخدام المركبات الخاصة.

وخلص عقل إلى أن التعامل مع الازدحامات المرورية في الأردن استدعى الانتقال من التركيز على زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق وحدها إلى إدارة الطلب على التنقل، وتنظيم ساعات الدوام، وتحسين حركة الشحن، وتطوير النقل الجماعي، باعتبارها مسارات متكاملة للحد من الخسائر الاقتصادية وتخفيف الأعباء اليومية عن المواطنين.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى