نفاع يكتب: العلم نور

التاج الإخباري -

بقلم: المهندس زيد نفاع (الأمين العام لحزب عزم)

قد يعتقد البعض، للوهلة الأولى، أنني أريد من خلال هذا العنوان استعادة الذاكرة إلى حلقات المسلسل الأردني الشهير «العلم نور»، الذي جسّد نمط الحياة الأردنية آنذاك، وعكس تنوّع المجتمع الأردني بتركيبته الاجتماعية والثقافية، ولهجاته المختلفة. وقد شكّل هذا العمل قيمة اجتماعية وواقعية، لما حمله من مضامين عكست تفاصيل الحياة اليومية والبيئة الأردنية في تلك المرحلة.

لكن مقالي اليوم يتناول العلم بمعناه الأوسع؛ العلم الذي يصنع المستقبل، والتكنولوجيا التي تعيد تشكيل حياة الإنسان، والصناعات التي تتطور بوتيرة تتجاوز، في كثير من الأحيان، حدود التصوّر البشري.

في عام 1984، بدأت دراسة الهندسة الميكانيكية، وفي إحدى المحاضرات، وقف أحد أساتذتنا، وكان في أواخر السبعينيات من عمره، رحمه الله، يتحدث عن الإحداثيات الثنائية (س، ص) (X, Y)، ثم أخذنا في رحلة فكرية وعلمية استشرف خلالها مستقبل العلم والأبحاث والصناعات.

كان يؤكد أن العالم، خلال العقود الثلاثة أو الأربعة التالية، سيشهد تسارعًا علميًا وتكنولوجيًا غير مسبوق، وأننا سننتقل من الإحداثيات الثنائية إلى الثلاثية، فالرباعية، وصولًا إلى نماذج وأبعاد أكثر تطورًا، تفتح آفاقًا جديدة أمام البحث العلمي والتطبيقات الصناعية.

وأضاف، بثقة العالم الذي يقرأ المستقبل بعين المعرفة، أنه لن يكون على الأرجح شاهدًا على كثير من تلك الإنجازات، لكن بعضنا، نحن الطلبة، قد تتاح له فرصة المساهمة فيها أو مشاهدة نتائجها.

حتى تلك اللحظة، كان حديثه بالنسبة إليّ، وأنا طالب في الثامنة عشرة من عمره، حديثًا علميًا شيقًا، يفتح أبواب الخيال أمام مستقبل بدا بعيدًا، وربما غير قابل للتصديق.

لكن المفاجأة جاءت عندما انتقل الأستاذ إلى الحديث عن سرعة الحركة والتطور في وسائل النقل، مستشهدًا بطائرات الكونكورد، التي بدأ تطويرها في آواخر ستينيات القرن الماضي، ودخلت الخدمة التجارية في عام 1976. ثم مضى أبعد من ذلك، متحدثًا عن مستقبل قد يصبح فيه الانتقال بين البلدان أمرًا في غاية السرعة، إلى حدٍّ قد يجعلك تتخيّل أنك ستغادر مكانك وأنت جالس على كرسي في منزلك أو مكتبك، لتجد نفسك، خلال ثوانٍ معدودة، في بلد آخر.

عندها، تصرّف الطالب المشاغب الذي كنته بطريقة مختلفة؛ همست في أذن زملائي بأن الرجل قد تقدّم به العمر كثيرًا، وأن ما يقوله لا يمكن أن يكون واقعيًا! فقد كان عقلي الشاب عاجزًا عن استيعاب تلك القفزات العلمية التي تحدث عنها أستاذنا العبقري بهذه الثقة.

لم يكن اعتراضي نابعًا من نقص في علم الرجل، بل من محدودية تصوّري آنذاك، ومن الفجوة الكبيرة بين ما كان متاحًا في عصرنا وما كان هو يستشرفه للمستقبل.

واليوم، وبعد عقود من ذلك اللقاء، ونحن نشهد التطور المتسارع في العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية والتحولات العميقة في وسائل الاتصال والنقل والإنتاج، أجدني أعود بذاكرتي إلى تلك المحاضرة، وأتساءل: كم من الأفكار التي بدت يومًا ضربًا من الخيال أصبحت اليوم واقعًا نعيشه، وكم من النظريات التي تجاوزت حدود تصوّر أجيال سابقة أصبحت أساسًا لابتكارات غيّرت وجه العالم؟

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز تجليات هذه الثورة العلمية، مستندًا إلى تراكم هائل من المعرفة البشرية، والقدرات الحاسوبية، والبيانات، والخوارزميات المتقدمة. وما نشهده اليوم قد لا يكون سوى بداية مرحلة جديدة من التحولات التي ستعيد تشكيل التعليم، والصناعة، والاقتصاد، والإدارة، والطب، ووسائل النقل، وأنماط الحياة والعمل.

وربما نكون قد بدأنا بالفعل نمسك بطرف الخيط الذي حاول ذلك الأستاذ أن يضعه بين أيدينا قبل أكثر من أربعة عقود. فالعلم لا يتوقف عند حدود ما نعرفه، والتكنولوجيا لا تنتظر حتى نستوعب كامل إمكاناتها، والصناعة لا تتطور بمجرد الرغبة، بل بالبحث والتطوير والاستثمار في المعرفة والعقول البشرية القادرة على تحويل الأفكار إلى منتجات وحلول وقيمة اقتصادية مضافة.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مشاهدة هذه التحولات من بعيد، أو الاكتفاء بالاستهلاك والاستيراد، بل في امتلاك القدرة على فهمها وتوطينها والمشاركة في إنتاجها. فالدول التي تستثمر في التعليم النوعي، والبحث العلمي، والابتكار، والتدريب التقني، والصناعات المتقدمة، هي الدول الأقدر على تحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية، وتحويل العقول إلى ثروة وطنية، وتحويل التطور التكنولوجي إلى فرص عمل وإنتاج وتنافسية.

وهنا تبرز مسؤوليتنا الوطنية في الأردن؛ إذ لا يكفي أن نمتلك الكفاءات والعقول المتميزة، بل ينبغي أن نوفّر لها البيئة التي تمكّنها من الإبداع، ونربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، والبحث العلمي بأولويات الصناعة، والاستثمار بفرص الإنتاج، والسياسات العامة برؤية مستقبلية واضحة.

إن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا ينبغي أن يكون مبررًا لتهميش الإنسان، بل أداة لتعزيز قدراته، ورفع إنتاجيته، وتوسيع آفاقه. فالمستقبل لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما تصنعه العقول التي تحسن توظيفها، والمؤسسات التي تدرك أهميتها، والدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لاستثمارها.

رحم الله ذلك الأستاذ الذي زرع في محاضرة عابرة بذرة فكرة بقيت حاضرة في ذاكرتي طوال هذه السنوات. ربما لم أستوعب يومها ما كان يقوله، وربما لم يكن هو نفسه قادرًا على تخيّل كل ما سيصل إليه العالم، لكنني أدرك اليوم أن قيمة العلم لا تكمن فقط في الإجابات التي يقدمها، بل في الأسئلة التي يزرعها في عقولنا، وفي قدرته على دفعنا إلى التفكير فيما لم يتحقق بعد.

العلم نور، لكنه أيضًا قوة، واقتصاد، وصناعة، واستقلال في القرار. والأمم التي تدرك ذلك لا تكتفي بانتظار المستقبل، بل تعمل على صناعته.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى