طهبوب: العمل ليس عيبًا .. ثقافة الفشل في توفير العمل اللائق

التاج الإخباري -

كتبت: النائب د. ديمة طهبوب.

تحتفل كثير من دول العالم في الأول من أيار بيوم العمال العالمي، وتحتفل في السابع من تشرين الأول باليوم العالمي للعمل اللائق. وفي الوقت الذي تقوم فيه ثقافتنا على احترام وتقدير العمل كقيمة وممارسة تبني الإنسان والحضارة، واحترام حقوق العمال كواجب لازم الأداء والوفاء، تتراجع دولنا العربية في سجلات ومؤشرات العمالة والتشغيل وحقوق العمال إلى مساحة يُضرب فيها المثل على سوء المعاملة وانتقاص الحقوق المادية والمعنوية.

الشغل مش عيب… تم الضحك علينا بنجاح

عبارة «الشغل مش عيب» قد تكون في أصلها قيمة إيجابية تهدف إلى كسر ثقافة التكبر على بعض المهن، وتعزيز مكانتها وحاجة المجتمع إليها، في ظل تكامل الأدوار اللازمة لبناء المجتمع من أدنى القاعدة وصولًا إلى أعلى هرم المهام والمسؤوليات.

غير أننا في العالم العربي وظفناها بطريقة اجتماعية واقتصادية لنتحايل ونتغاضى قصدًا عن دور الدولة والمجتمع والفاعلين في ترسيخ وتبني وتطبيق الحقوق العمالية، وأصبحت العبارة انعكاسًا لثقافة تبرر انتقاص حقوق العمال بدل حمايتها، ويتجلى ذلك بعدة صور، منها تبرير الأجور المتدنية بدل الأجور العادلة والمنصفة، أو تغييب بيئة العمل الآمنة والضمانات والتأمينات، أو تحميل المواطنين مسؤولية فشل الدولة في توفير الوظائف وخلق الفرص، أو زيادة الضغط الاجتماعي على العمال للقبول بأي نوع من الوظائف كيلا يُوسموا بالتكبر.

ومربط الفرس أن يغيب المجتمع بكليته عن المطالبة بـ«العمل اللائق»، الذي يتم تصويره كأمر مستحيل وبعيد المنال لترسيخ القبول بالموجود مهما كان، فتصبح القضية مجرد الحصول على عمل، لا نوعية العمل.

العمل اللائق.. حلم بعيد المنال أم استحقاق واجب؟

تنص معظم دساتير الدول العربية على واجب الدولة في توفير العمل والعيش الكريم لمواطنيها، بل ويذهب بعضها إلى توفير الحماية في حال عدم القدرة على العمل بسبب العجز أو الأمومة أو التعطل أو الشيخوخة، وتزداد أهمية العمل والعمال في الدول العربية كنوع من الاستثمار في الموارد البشرية وتعويض عن قلة الموارد الطبيعية أو إهدارها.

وزادت بعض الدول من التزاماتها بالتوقيع على اتفاقيات دولية مع منظمة العمل الدولية فيما يخص العمل والعمال، ومنها مفهوم العمل اللائق عام 1999، فما هو العمل اللائق وما معاييره؟

مفهوم العمل اللائق يعني أن من حق أي إنسان في العالم توفير وظيفة له تمكنه من العيش بكرامة، وهناك معايير للعمل اللائق، منها توفير فرص عمل منتجة تحقق دخلًا عادلًا وكافيًا، والأمان والاستقرار في مكان العمل، وتوفير الضمان والتأمين الصحي، وتناسب الوظيفة مع المؤهلات العلمية والعملية والخبرات والكفاءات والكفايات، وتوفر فرص التطور الوظيفي، وحرية التعبير للعاملين، وتأسيس النقابات العمالية، وحماية مصالح العمال أمام الحكومة، وعدم التمييز في الأجور لأي سبب، وظروف عمل آمنة، وساعات عمل معقولة، وإجازات مرضية وسنوية.

ونظرة سريعة إلى واقع العمل والعمال في الوطن العربي، بل وتوسع ثقافة «الشغل مش عيب» إلى قطاعات عمالية كبيرة وغير منظمة ولا محمية، تؤكد من النظرة الأولى أننا نعاني بمجموعنا مما تصفه منظمة العمل الدولية بالعجز في توفير العمل اللائق، أو ما يُعرف بمصطلح «عجز العمل اللائق».

وأن العمل اللائق ما زال هدفًا بعيد المنال، أو توقيعات لا تعدو أن تكون حبرًا على ورق من جملة ما توقع عليه الدول العربية دون التزام حقيقي أو رقابة على التنفيذ.

يوم من الاعتراف مقابل 365 يومًا من الإهمال

ويبقى التساؤل: ماذا ينتفع العمال بيوم من الاحتفاء أو الاعتراف لا يزيد على 24 ساعة، في ظل أيام وسنوات من الظلم وعدم تحصيل الحقوق؟ أم أنه يمكن استثمار هذا اليوم للتذكير بعدالة وحقوقية قضايا العمل والعمال، والمطالبة بمزيد من تبنيها وتفعيلها، وتسليط الضوء إعلاميًا على معاناتهم؟

نعم، العمل ليس عيبًا اليوم والبارحة وغدًا، وخير للمرء أن يعيش من عمل يده، بل أن يمدها للآخرين ويهدر كرامته. العيب هو تحويل العبارة من قيمة أخلاقية داعمة للعمل إلى أداة لتبرير الاستغلال والقبول بالظلم وقليل الحقوق.

العمل اللائق ليس مطلبًا نخبويًا ولا ترفًا وظيفيًا، بل حق إنساني وأساس للاستقرار والتطور، وحين نضع سياساتنا يجب أن نسأل دائمًا: هل أنصفنا العامل؟

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى